أخرج الطبري (19/499)مصدر غير محدد١٩/٤٩٩ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا}: "أي فتلك منازلهم في ديار الحجر خالية ساقطة على عروشها ليس فيها ساكن ولا ديار؛ أهلكهم الله ونفاهم عنها بظلمهم وكفرهم وتكذيبهم، {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}: لعبرة وعظة بينة لقوم يعلمون قدرة الله وسنته في إهلاك المكذبين".
وأخرج البخاري في صحيحه (رقم 3380)مصدر غير محددحديث رقم ٣٣٨٠، ومسلم (رقم 2980)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٨٠ من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "أن رسول الله ﷺ لما مر بالحجر في غزوة تبوك قال لأصحابه: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لَا يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ»، وتقنع بردائه وأسرع السير حتى جاوز الوادي".
وقال ابن كثير (6/193)مصدر غير محدد٦/١٩٣: "بيوتهم التي نحتوها في الجبال فارغة خاوية موحشة تشهد على سوء عاقبة الشرك والظلم، وبقاؤها أثراً باقياً آية لكل ذي علم وبصيرة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{تِلْكَ}: اسم إشارة للمؤنث البعيد، والمشار إليه البيوت المهلكة الشاخصة للعيان.
{خَاوِيَةً}: الخواء هو الخلو والسقوط؛ يُقال: خوت الدار إذا خلت من أهلها وهلكوا، أو خرت وسقطت سقوفها على جدرانها.
{بِمَا ظَلَمُوا}: الباء سببية، و"ما" مصدرية؛ أي بسبب ظلمهم وشركهم واعتدائهم.
{يَعْلَمُونَ}: أصحاب العقول الواعية والمعرفة بسنن الله وتاريخ الأمم.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{فَتِلْكَ}: الفاء استئنافية، "تي" اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب.
{بُيُوتُهُمْ}: بدل أو عطف بيان من اسم الإشارة مرفوع بالضمة الظاهرة، والهاء مضاف إليه، والميم للجمع (أو بيوتهم خبر المبتدأ).
{خَاوِيَةً}: حال منصوبة من "بيوتهم" بتقدير عامل الإشارة (أو خبر لتلك إن جعلنا بيوتهم بدلاً).
{بِمَا}: الباء حرف جر للسببية، "ما" مصدرية.
{ظَلَمُوا}: فعل ماض وفاعل، والمصدر المؤول في محل جر بالباء متعلق بـ {خَاوِيَةً}.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{فِي ذَٰلِكَ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر إن مقدم.
{لَآيَةً}: اللام المزحلقة للتوكيد، {آيَةً} اسم إن مؤخر منصوب بالفتحة الظاهرة.
{لِّقَوْمٍ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ {آيَةً}.
{يَعْلَمُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة في محل جر نعت لـ {قَوْمٍ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال إلى المشهد البصري الشاخص للاستدلال والاعتبار:
بعد أن قرر تدميرهم في الآية السابقة، أشار هنا إلى الأثر المادي المحسوس الباقي في الأرض: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً}.
فقريش والعرب كانوا يمرون على مدائن صالح وديار الحجر في أسفارهم وتجارتهم إلى الشام ويرون تلك البيوت المنحوتة في الصخور خاوية على عروشها؛ فجاء التذكير بها ليقرع أبصارهم وبصائرهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الربط القطعي بين الظلم والخراب العمراني:
محاكمة عمرانية واجتماعية:
صاغت الآية قانوناً عمرانياً خالداً قرره ابن خلدون في مقدمته: "الظلم مؤذن بخراب العمران".
ثمود كانوا أعظم الأمم نحتاً للجبال وتشييداً للقصور الحصينة {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ}؛ وظنوا أن تلك الحصون الصخرية تمنعهم من عذاب الله؛ فلما ظلموا خوت البيوت وتلاشت الحضارة؛ فالعمران لا يحميه الحجر والحديد، بل يحميه العدل والتوحيد.
الإشارة الحاضرة تجعل السامع كأنه يشاهد أطلال ثمود رأي عين فيمتلئ قلبه وجلاً وعبرة.
تنكير {آيَةً} للتعظيم؛ أي آية باهرة عظيمة الشأن لا ينكرها إلا مكابر.
تقييد الانتفاع بـ {لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}: إشارة إلى أن الآيات والعبر لا ينتفع بها الجهلة الساهون، بل ينتفع بها أهل العلم الذين يربطون الأسباب بمسبباتها.
تدبر وحشة الديار: كم تثير أطلال الظالمين من عبر؛ أين الجبابرة؟ أين الملوك؟ أين عتاة ثمود؟! صاروا أحاديث وخوت ديارهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
هدي النبي ﷺ عند المرور بديار المعذبين:
وجوب الاعتبار والاتعاظ عند زيارة المواقع الأثرية والأطلال البائدة، والبكاء أو التباكي خشية مكر الله، وتجنب السياحة الترفيهية العابثة في ديار حل بها سخط الله.
الحذر من الظلم: الظلم يورث خراب البيوت والديار في الدنيا، والندامة والخسران في الآخرة.