أخرج الطبري (19/494)مصدر غير محدد١٩/٤٩٤ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: "اجتمع أولئك التسعة رهط من ثمود بعد أن عقروا الناقة، فقالوا: إن صالحاً توعدنا بالعذاب إلى ثلاثة أيام، فتعالوا نقتله قبل أن ينزل بنا العذاب؛ فإن كان صادقاً عجلنا قتله، وإن كان كاذباً ألحقناه بناقته! فقالوا: {تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ}: أي احلفوا بالله يميناً مغلظة بينكم، {لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ}: لنأتينه في بيته ليلاً فنقتله ونقتل أهله ومعه غيلة وخفية، {ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ}: أي لأولياء دمه وعصبته من بني عمه الذين يطالبون بدمه: {مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ}: ما حضرنا قتلهم ولا ندري من قتلهم، {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}: في دعوانا البراءة".
وقرأ عاصم والكسائي: {مَهْلِكَ} بفتح الميم وكسر اللام (مفعل اسم زمان أو مكان أو مصدراً ميمياً)، وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام، وقرأ أبو بكر بفتح الميم واللام، وقرأ أهل المدينة والكوفة بضم الميم وكسر اللام {مُهْلِكَ}.
وقال ابن كثير (6/192)مصدر غير محدد٦/١٩٢: "دبر هؤلاء الطغاة مكيدة اغتيال ليلي غادر لنبي الله صالح والمؤمنين معه، وأقسموا على إنكار الجريمة والكذب الصراح أمام أولياء دمه ليدفعوا عن أنفسهم القصاص؛ فجمعوا بين الغدر، وسفك الدم الحرام، والأيمان الفاجرة، واليمين الغموس".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{تَقَاسَمُوا}: أقسم كل واحد منهم للآخر يميناً موثقة، وصيغة التفاعل تدل على تواطؤ الجميع على القسم.
{لَنُبَيِّتَنَّهُ}: التبييت هو الإيقاع بالعدو ومهاجمته ليلاً بغتة وهو غافل نائم في بيته؛ ومنه بيت الأمر إذا دبره بليل.
{لِوَلِيِّهِ}: ولي الدم وهو المطالب بالقصاص والدية من قرابته وعشيرته.
{مَهْلِكَ}: مصدر ميمي بمعنى هلاك أو موضع هلاكهم وزمانه.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{قَالُوا}: فعل ماض وفاعل.
{تَقَاسَمُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل (أو فعل ماض بمعنى أقسموا، والجملة مقول القول).
{بِاللَّهِ}: جار ومجرور متعلق بـ {تَقَاسَمُوا}، والباء للقسم.
{لَنُبَيِّتَنَّهُ}: اللام واقعة في جواب القسم المقدر، مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره نحن، والهاء مفعول به.
{وَأَهْلَهُ}: معطوف منصوب، والهاء مضاف إليه.
{ثُمَّ}: حرف عطف للتراخي الرتبي.
{لَنَقُولَنَّ}: معطوف على لنبيتنّه مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، والفاعل مستتر.
{لِوَلِيِّهِ}: متعلق بـ {لَنَقُولَنَّ}.
{مَا}: نافية لا عمل لها.
{شَهِدْنَا}: فعل ماض وفاعل، والجملة مقول القول في محل نصب.
{مَهْلِكَ}: مفعول به منصوب، وهو مضاف.
{أَهْلِهِ}: مضاف إليه مخفوض، والهاء مضاف إليه.
{وَإِنَّا}: الواو حالية أو عاطفة، إن واسمها.
{لَصَادِقُونَ}: اللام المزحلقة، {صَادِقُونَ} خبر إن مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وهذا يعري المنهج العصابي للطغاة الذين يقتلون المصلحين سراً ثم يمشون في جنازاتهم ويتباكون عليهم تضليلاً للرأي العام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تناقض المشركين في الحلف بالله مع الكفر به:
إشكال: كيف يحلف أولئك المجرمون الكفار بالله: {تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ} وهم يعبدون الأصنام؟!
المحاكمة والتحرير العقدي:
كفار ثمود ككفار قريش كانوا يقرون بوجود الله وربوبيته في الجملة كما قال تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}، وكانوا يعظمون الحلف بالله في عهودهم وأمورهم الخطيرة، لكنهم مشركون في العبادة؛ وهذا يكشف النفاق والازدواجية المروعة في نفوسهم؛ يحلفون بالله ليرتكبوا أبشع جريمة وهي قتل نبي الله وأهله غدراً! فاستغلوا اسم الله المقدس لتمرير أشنع الفجور.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كشف أساليب التضليل الأمني والإعلامي:
المكر الخفي والاغتيالات السياسية وتبرئة الجناة بالأيمان الكاذبة ممارسات قديمة حديثة للمفسدين في كل عصر؛ والمسلم الحصيف لا يغتر بالدعاوى الزائفة بل يبحث عن البينات.
حماية المصلحين والدعاة: وجوب اليقظة الأمنية لحراسة قادة الفكر والإصلاح من غدر المجرمين وتدبيرهم بليل.