أخرج الطبري (19/454)مصدر غير محدد١٩/٤٥٤ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ}: قرأ عاصم وحمزة: {فَمَكَثَ} بفتح الكاف، وقرأ الباقون: {فَمَكُثَ} بضم الكاف وهما لغتان فصيحتان؛ أي لم يلبث سليمان طويلاً بعد توعده حتى حضر الهدهد، فقال بثقة ويقين: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ}.
وروى ابن أبي حاتم (8/2778)مصدر غير محدد٨/٢٧٧٨ عن قتادة: "سبأ: قبيلة وأمة من العرب كانت تسكن بلاد اليمن، والنبأ اليقين: هو الخبر العظيم الصادق الذي لا لبس فيه".
وقال ابن كثير (6/181)مصدر غير محدد٦/١٨١: "وقف الهدهد بين يدي سليمان موقف الشجاع الواثق بما معه من العلم، فبادر بمفاجأة أسقطت غضب سليمان وأثارت فضوله النبوي، فقال: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ}؛ وهذا برهان على أن الأنبياء لا يعلمون من الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{مَكَثَ}: أقام ولبث وانتظر، ومكث غير بعيد: أي حضر بعد زمان يسير غير طويل.
{أَحَطتُ}: الإحاطة هي العلم التام بالشيء من جميع جوانبه وأطرافه بحيث لا يغيب منه شيء، مأخوذ من إحاطة السور بالبناء.
{سَبَإٍ}: اسم لمملكة وقبيلة سميت باسم جدهم سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان باليمن، وصُرف في قراءة الأكثرين باعتبار الحي، ومُنع من الصرف في قراءة قنبل وابن كثير والكسائي باعتبار القبيلة أو الأرض.
{نَبَإٍ}: الخبر العظيم الشأن ذو البال والخطر.
{يَقِينٍ}: حق قاطع لا ريب فيه ولا شك ولا توهم.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{فَمَكَثَ}: الفاء عاطفة، {مَكَثَ} فعل ماض والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الهدهد (أو على سليمان).
{غَيْرَ}: ظرف زمان منصوب متعلق بـ {مَكَثَ}، وهو مضاف (أي وقتاً غير بعيد).
{بَعِيدٍ}: مضاف إليه مخفوض بالكسرة.
{فَقَالَ}: عاطف ومعطوف، والفاعل مستتر تقديره هو.
{أَحَطتُ}: فعل ماض مبني على السكون، والتاء ضمير فاعل، والجملة مقول القول في محل نصب.
{بِمَا}: جار ومجرور متعلق بـ {أَحَطتُ}.
{لَمْ تُحِطْ}: "لم" جازمة، {تُحِطْ} مضارع مجزوم بالسكون والفاعل مستتر تقديره أنت، والجملة صلة "ما" لا محل لها.
{بِهِ}: متعلق بـ {تُحِطْ}.
{وَجِئْتُكَ}: الواو عاطفة، فعل وفاعل ومفعول به.
{مِن سَبَإٍ}: جار ومجرور متعلق بـ {جِئْتُكَ}.
{بِنَبَإٍ}: متعلق بـ {جِئْتُكَ}.
{يَقِينٍ}: نعت لـ {نَبَإٍ} مخفوض بالكسرة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المفاجأة الذكية لامتصاص الغضب وإثارة الاهتمام:
جاء الهدهد مهدداً بالذبح أو العذاب؛ فافتتح خطابه ببراعة استهلال تبهر العقول: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ}.
وبذلك نقل موقف سليمان من مربع الغضب والمحاسبة إلى مربع الاستماع والشغف بمعرفة هذا الأمر الخطير الذي علمه الطائر وفات أعظم ملوك الأرض علمه.
وهذا من أرفع أساليب الحوار والتخلص في المواقف الحرجة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
اختصاص الله بعلم الغيب المطلق وعدم إحاطة الأنبياء به:
محاكمة عقدية تفكك الغلو:
إذا كان نبي الله سليمان وهو المؤتى الحكمة وتسخير الريح والجن والإنس لم يعلم بوجود مملكة سبأ القريبة منه في جزيرة العرب حتى أخبره هدهد؛ فكيف يجرؤ جاهل أن يدعي علم الغيب لغير الله من الأولياء أو الكهان أو غيرهم؟!
فالغيب المطلق خاص بالله سبحانه وتعالى، والأنبياء لا يعلمون إلا ما علمهم الله إياه بالوحي.
وقد يعلم المفضول الصغير ما يغيب عن الفاضل الكبير؛ كما قال ابن عباس: "أحاط الهدهد بما لم يحط به سليمان".
الجناس الاشتقاقي والموسيقي في {مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ}:
جناس اشتقاقي ناقص (مطرف) في غاية الإشراق والعذوبة؛ يجمع بين اسم المكان {سَبَإٍ} وطبيعة الخبر {بِنَبَإٍ}؛ مما يعطي العبارة رنيناً صوتياً آسراً يقرع سمع الملك.
استعمال {أَحَطتُ} دون "علمت": لإفادة الاستيعاب التام للتفاصيل.
تدبر شجاعة الصادق: الصدق يورث صاحبه شجاعة وفصاحة تنطق بالحق أمام أعظم الجبابرة والملوك.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فتح المجال للمرؤوسين لإبداء الرأي ونقل المعلومات:
على القائد الحكيم ألا يتكبر على قبول المعلومة والحق من أصغر جنوده وأتباعه.
التثبت في نقل الأخبار: الهدهد لم يأت بشائعات أو ظنون، بل جاء بـ {نَبَإٍ يَقِينٍ} مستقصى بالمعاينة والمشاهدة؛ وهكذا يجب أن يكون نقل الأخبار في المجتمعات المسلمة.