أخرج الطبري (19/527)مصدر غير محدد١٩/٥٢٧ عن ابن عباس وقتادة في قوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ}: "أي ذو منّ وإنعام عظيم على عباده؛ ومن أعظم فضله عليهم أنه لا يعاجلهم بالعقوبة عند معصيتهم، بل يتأنى بهم ويحلم عليهم ويرزقهم ويعافيهم لعلهم يتوبون، {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ}: أي لا يشكرون فضله ونعمه وتأخير العذاب عنهم، بل يقابلون الإمهال بالتمادي في الكفر والاستكبار".
وروى ابن أبي حاتم (8/2813)مصدر غير محدد٨/٢٨١٣ عن سفيان الثوري: "فضل الله على الناس بإسباغ النعم الظاهرة والباطنة ودفع النقم وتأخير العقوبات، ولكن أكثر الناس جحدوا هذا الفضل وقابلوه بالكفران".
وقال ابن كثير (6/199)مصدر غير محدد٦/١٩٩: "يخبر تعالى عن سعة فضله وإحسانه إلى سائر الناس مع كفرهم وإعراضهم؛ حيث يرزقهم ويعافيهم ويؤخر عقابهم، ومع ذلك فأكثرهم لا يشكرون نعمه ولا يوحدونه بالعبادة، بل يشركون به ويسجدون لغيره".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{لَذُو فَضْلٍ}: صاحب عطاء وإحسان زائد عن حد الاستحقاق، يتفضل به كرماً وجوداً.
{عَلَى النَّاسِ}: عموم يشمل المؤمن والكافر في إفاضة النعم الدنيوية والإمهال.
{لَا يَشْكُرُونَ}: الشكر صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه في طاعته، ونفيه يدل على خلوهم من الاعتراف بالفضل والعبادة.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{وَإِنَّ}: الواو استئنافية، إن حرف توكيد ونصب.
{رَبَّكَ}: اسم إن منصوب بالفتحة، والكاف مضاف إليه.
{لَذُو}: اللام المزحلقة للتوكيد، {ذُو} خبر إن مرفوع بالواو لأنه من الأسماء الخمسة، وهو مضاف.
{فَضْلٍ}: مضاف إليه مخفوض بالكسرة الظاهرة.
{عَلَى النَّاسِ}: جار ومجرور متعلق بـ {فَضْلٍ}.
{وَلَٰكِنَّ}: الواو عاطفة للاستدراك، لكن حرف مشبه بالفعل للاستدراك والنصب.
{أَكْثَرَهُمْ}: اسم لكن منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه، والميم للجمع.
{لَا}: نافية لا عمل لها.
{يَشْكُرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر لكن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بيان حكمة تأخير العذاب ودفع شبهة العجز:
بعد أن توعدهم بقرب العذاب في الآية السابقة: {عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم}.
بادر هنا ببيان سبب تأخره وعدم استئصالهم الفوري: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ}.
ليعلموا أن تأخير العذاب ليس لعجز الإله عن أخذهم، ولا لصحة باطلهم، بل هو من باب "الفضل والحلم والإمهال" لفتح باب التوبة وتأليف القلوب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قاعدة الحلم الإلهي وعدم المعاجلة بالعقوبة:
محاكمة عقدية في صفات الأفعال:
ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ؛ إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ وَلَداً، وَيَدْعُونَ لَهُ شَرِيكاً، وَهُوَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ».
فهذا الفضل العظيم يقتضي محبة الله والانكسار له؛ لكن الكافر يفسر الحلم عجزاً ويقابل النعمة بالجحود؛ فكان الاستدراك بـ {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ} في كبد الحقيقة والعدالة.
توكيد الفضل بـ {إِنَّ} واللام، والاستدراك بـ {لَٰكِنَّ}:
الجملة مؤكدة بأقوى المؤكدات للدلالة على ثبوت الفضل الإلهي وسعته التي وسعت كل شيء.
الاستدراك بـ {لَٰكِنَّ} يبرز الجحود البشري الصارخ؛ حيث يقابل الإنعام التام بالكفران التام من أكثرية الناس.
تدبر قلة الشاكرين: القرآن يقرر دائماً أن الأكثرية غافلة غير شاكرة: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}؛ فليحرص المؤمن أن يكون في زمرة القلة الشاكرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ملازمة الشكر والاعتراف بالجميل:
دوام النعم مقرون بالشكر: "إذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم"؛ فالشكر قيد النعم الموجودة وصيد النعم المفقودة.
التأسي بالحلم الإلهي: على الداعية أن يتسع صدره للمخالفين ولا يتعجل بالدعاء عليهم أو معاقبتهم، بل يمهلهم بالفضل والنصح ما وجد إلى ذلك سبيلاً.