أخرج الطبري (19/474)مصدر غير محدد١٩/٤٧٤ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والزهري: "لما رجع رسل بلقيس إليها بكلام سليمان، علمت أنه نبي لا طاقة لها به، فأمرت بعرشها فوُضع في سبعة أبيات مغلقة ومقفلة بالحراس، وأقبلت في موكبها ومعه وجوه قومها قاصدة سليمان للإسلام والتسليم، فلما علم سليمان باقترابهم قال لوزرائه وأشراف جنده من الجن والإنس: {يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ}".
وروى ابن أبي حاتم (8/2789)مصدر غير محدد٨/٢٧٨٩ عن قتادة: "أراد سليمان إحضار عرشها قبل إسلامهم لسببين:
أن يظهر لها معجزة نبوية باهرة تفوق العقول تؤكد صدق نبوته وعظمة تسخير ربه له.
أنهم إذا أسلموا ودخلوا دار الإسلام حُرمت أموالهم وعروشهم ولم يحل أخذها؛ فأراد حيازته قبل إعلان إسلامهم واستقراره".
وقال ابن كثير (6/187)مصدر غير محدد٦/١٨٧: "أراد سليمان عليه السلام أن يُبهر بلقيس وقومها بآية كبرى تدل على عظمة ما أوتيه من الله؛ فطلب إحضار هذا السرير العظيم المحروس من مأرب باليمن إلى بيت المقدس بالشام في مسافة شاسعة تقطعها القوافل في أشهر، ليحضره في ساعات أو لحظات معدودة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{الْمَلَأُ}: أعيان الجند ومستشارو المملكة وخواص أهل العلم والقدرة من الإنس والجن.
{بِعَرْشِهَا}: سرير ملكها الذي كانت تعتز به وتراه رمز سيادتها.
{مُسْلِمِينَ}: منقادين طائعين مؤمنين بالتوحيد.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{قَالَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو.
{يَا}: حرف نداء. {أَيُّهَا}: منادى نكرة مقصودة مبني على الضم، و"ها" للتنبيه.
{مُسْلِمِينَ}: حال منصوبة بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والمصدر المؤول {أَن يَأْتُونِي} في محل جر مضاف إليه لـ "قبل".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
السباق الزمني لتحقيق المعجزة وإبهار العقول:
وضع سليمان شرطاً زمنياً دقيقاً ومثيراً: {قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ}.
وهذا يفتح باب المنافسة والتحدي بين القوى المسخرة له من الجن وأهل العلم، ليُظهر الله التفاوت الهائل في مراتب القوى والعلوم، ويثبت أن قوة العلم الرباني تسمو فوق كل قوة عضلية أو مادية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير حيازة العرش وحرمة أموال المعاهدين:
محاكمة فقهية أصولية:
لماذا استعجل سليمان إحضار العرش {قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ}؟
لأنهم في حالة حرب وكفر قبل وصولهم وإعلان إسلامهم؛ فيجوز حينئذ حيازة أموال الحربيين وتسخيرها في مصلحة الدين.
أما إذا دخلوا في الإسلام وعقدوا الصلح والأمان، فقد عصم الإسلام دماءهم وأموالهم وعروشهم؛ فلم يجز أخذ شيء منها؛ فكان استعجاله استناداً إلى دقيق الفقه والسياسة الشرعية.