أخرج الطبري (19/457)مصدر غير محدد١٩/٤٥٧ عن قتادة وابن زيد في قوله: {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ}: "كانوا صابئة يعبدون الكواكب والأنوار، ويتوجهون إلى الشمس بالسجود إذا طلعت وإذا غربت تقرباً إليها بزعمهم".
وروى ابن أبي حاتم (8/2780)مصدر غير محدد٨/٢٧٨٠ عن مجاهد: "{وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ}: حسّن لهم عبادة الشمس وقبائح الشرك فرأوها ديناً قويماً، {فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ}: فمنعهم عن طريق التوحيد وهداية الرسل، فهم يتخبطون في الضلالة".
وقال ابن كثير (6/182)مصدر غير محدد٦/١٨٢: "هذا هو بيت القصيد وموضع النكارة الأعظم في تقرير الهدهد؛ فإنه لم يبهره بريق الذهب وعظمة العرش، بل ساءه وأحزنه كفرهم بالله وسجودهم لمخلوق من دونه، ونسب ضلالهم إلى تزيين الشيطان وصدهم عن سبيل الرشاد".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات ودلالاتها:
{يَسْجُدُونَ}: السجود هو غاية الخضوع والتذلل بوضع الجبهة على الأرض، وصرفه للشمس شرك أكبر مخرج من الملة.
{لِلشَّمْسِ}: الجرم السماوي المخلوق المسخر بأمر الله.
{زَيَّنَ}: التزيين هنا شيطاني بالوسوسة وإلقاء الشبهات وإلف عادات الآباء.
{السَّبِيلِ}: صراط الله المستقيم ودينه الحق وتوحيده الخالص.
{لَا يَهْتَدُونَ}: محرومون من نور البصيرة والتوفيق بسبب ركونهم للتزيين الشيطاني.
الإعراب والتوجيه النحوي:
{وَجَدتُّهَا}: فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعل، والهاء مفعول به أول.
{وَقَوْمَهَا}: معطوف على ضمير المفعول منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه.
{يَسْجُدُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة في محل نصب مفعول به ثانٍ لـ {وَجَدتُّ}.
{لِلشَّمْسِ}: جار ومجرور متعلق بـ {يَسْجُدُونَ}.
{مِن دُونِ}: متعلق بمحذوف حال من الشمس أو من فاعل يسجدون، ودون مضاف.
{اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مخفوض بالكسرة.
{وَزَيَّنَ}: الواو عاطفة، {زَيَّنَ} فعل ماض مبني على الفتح.
{لَهُمُ}: متعلق بـ {زَيَّنَ}.
{الشَّيْطَانُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{أَعْمَالَهُمْ}: مفعول به منصوب، والهاء مضاف إليه.
{فَصَدَّهُمْ}: الفاء سببية أو عاطفة، فعل ماض ومفعول به، والفاعل مستتر يعود على الشيطان.
{عَنِ السَّبِيلِ}: متعلق بـ {فَصَدَّهُمْ}.
{فَهُمْ}: الفاء عاطفة، {هُمْ} مبتدأ.
{لَا يَهْتَدُونَ}: نافية ومضارع مرفوع، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تشخيص العلة الحقيقية وراء بريق الحضارات الغافلة:
بعد أن وصف مظاهر الحضارة والقوة الدنيوية في الآية السابقة: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ}، كشف هنا عن الخلل الجوهري القاتل الذي ينخر في أركان تلك الحضارة: الشرك بالله وعبادة الشمس.
وبذلك يعلمنا النظم القرآني الميزان الحقيقي لتقييم الأمم: فالحضارة التي لا توحد الله حضارة مريضة زائفة يقودها إبليس إلى الهلاك مهما بلغت من الثراء والتقنية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بطلان عبادة الأجرام السماوية:
محاكمة عقلية فطرية: الشمس كوكب مسخر يجري لأجل مسمى، يغيب ويأفل، ويخضع لنواميس الفلك والجاذبية، وهو عبد مأمور من جملة جنود الله، فكيف يسجد العاقل المكرم لجماد لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً؟!
وقد فطن الهدهد بغريزته التوحيدية إلى سخف هذا الصنيع وقبحه؛ فكان الطائر أعقل من أولئك الفلاسفة والمشركين الذين عبدوا الكواكب والنجوم عبر التاريخ.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
غيرة الطائر على التوحيد:
ما أعظم هذا المشهد الإيماني البديع؛ طائر صغير يحمله وجدانه الفطري على الغيرة والغضب لله حين رأى أمة تسجد لغير خالقها؛ فيعود قاطعاً آلاف الأميال ليدق ناقوس الخطر أمام نبي الله ورسوله.
ترتيب خطوات الإغواء: {زَيَّنَ} أولاً بالخواطر، ثم ترتب عليه {فَصَدَّهُمْ} بالفعل والمنع، فكانت النتيجة الحتمية {فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ}.
تدبر المآل: تزيين الشيطان هو الحجاب الكثيف الذي يمنع العقول الكبرى من رؤية أوضح الحقائق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الغيرة على حرمات الله وتوحيده:
درس عظيم للمؤمن: إذا كان الهدهد قد غار على التوحيد وتحرك قلبه لإنكار الشرك، فكيف يرى المسلم المنكرات والردة عن دين الله ثم لا يتحرك له جفن ولا يسعى لإصلاح؟!
فقه الأولويات في الإصلاح: إصلاح العقيدة والتوحيد هو الأصل والأساس؛ فمهما كانت الأمة قوية وغنية فإن كفرها يبطل كل منجزاتها.