أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (19/523)جامع البيانالطبري١٩/٥٢٣ بسنده عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في تأويل الحروف المقطعة: "أن {طسم} قسم أقسم الله به، وهو اسم من أسماء الله تعالى"، وروي عنه وعن قتادة ومجاهد: "هي حروف من فواتح السور افتتح الله بها كتابه ليدل بها على إعجاز القرآن، وتحدياً للعرب بأنه مركب من جنس هذه الحروف الهجائية التي يتخاطبون بها".
ونقل القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (13/245)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٣/٢٤٥: روي عن ابن عباس وعكرمة أن {طسم} اسم للسورة، وقيل: هي مقطعات دلّ كل حرف منها على اسم من أسماء الله؛ فالطاء من لطيف أو قدوس، والسين من سميع أو سلام، والميم من مجيد أو مالك، والمختار عند المحققين من أهل السنة والجماعة كابن كثير أن هذه الحروف سر من أسرار التنزيل، استأثر الله بعلمها، وجاءت في أوائل السور لإيقاظ الأسماع والتحدي الصريح للعرب بالإعجاز.
وعن الكسائي وأبي عمرو وحمزة إمالة الطاء والراء إذا وليتهما سين، وقرأ الباقون بالفتح المحض.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
المفردات:
{طسم}: أحرف هجائية مقطعة تقرأ بأسمائها لا بمسمياتها؛ فيقال: "طا - سين - ميم"، مع إدغام النون في الميم إدغاماً كاملاً بغنة عند جمهور القراء، وورد عن حمزة الإظهار مراعاة لانفصال الحرفين تقديراً.
الإعراب:
الوجه الأول: اسم مبني على السكون لا محل له من الإعراب كسائر حروف التهجي، مسرود مساق الحكاية.
الوجه الثاني: في محل رفع مبتدأ، وخبره {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ}.
الوجه الثالث: في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره "اتل طسم"، أو في محل جر واو القسم المحذوفة والجواب {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه الافتتاح بالحروف المقطعة:
افتتاح السورة بـ {طسم} يؤاخي بينها وبين سورة الشعراء التي افتتحت بالحروف نفسها؛ فكلا السورتين تعرضان تفاصيل مطولة لدعوة موسى ومواجهته لفرعون، وبينهما سورة النمل المفتتحة بـ {طس}؛ لتشكل السور الثلاث عقداً متصلاً يسمى "طواسين القرآن"، ممهداً لعرض الملحمة الكبرى بين الحق والباطل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة افتتاح السورة بالحروف المقطعة ودحض دعاوى اللغو:
محاكمة لغوية وعقلية:
يزعم بعض المستشرقين أن الحروف المقطعة مجرد رموز لا معنى لها أو أنها زوائد اختلقها النساخ؛
ويرد أئمة التحقيق:
لسان العرب نزل به القرآن، ولم ينقل عن فصحاء قريش وهم أحرص الناس على الطعن في القرآن أنهم استنكروا هذه الفواتح؛ بل بهتوا لما سمعوها وعلموا أنها من فصيح أساليب التنبيه وقرع الأسماع.
كل سورة بدئت بحروف مقطعة يعقبها مباشرة ذكر القرآن والوحي والكتاب؛ كقوله هنا: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ}؛ مما يقرر البرهان العقلي: هذا القرآن الذي أعجزكم ليس سوى كلمات مؤلفة من هذه الحروف التي تنطقون بها، فعجزكم عن معارضته برهان قاطع على أنه من لدن حكيم عليم.
اجتماع الطاء المستعلية المطبقة مع السين المهوسة الرخوة مع الميم الشفوية الغنة المتوسطة؛ يحدث جرساً صوتياً يبدأ بالشدة والقوة ثم يمتد بالهمس ثم يستقر بالغنة، مما يوقظ الحواس ويهيئ النفس لتلقي أخبار الطواغيت ومصارعهم العظيمة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التسليم لعظمة الوحي:
الوقوف عند فواتح السور يغرس في نفس المؤمن التواضع المعرفي؛ فالقرآن فيه المحكم الواضح وفيه أسرار يعلمها منزل الكتاب، مما يربي المسلم على كمال الإذعان لكلام ربه.
استشعار التحدي القرآني:
الامتلاء باليقين بأن كتاب الله معجز في لفظه ونظمه ومعانيه، لا تبطله الشبهات ولا تبليه الأيام.