التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢١/ ٦٨٨-٦٩٠)مصدر غير محدد٢١/٦٨٨ وابن كثير (٧/ ٢٥٤)مصدر غير محدد٧/٢٥٤ والقرطبي (١٦/ ١٢٦)مصدر غير محدد١٦/١٢٦: هذا جواب الله تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم وتوجيهه لما يفعل بعد شكاته؛ أمره بأن يعرض عنهم صفحاً جميلاً ولا يشتغل بمجادلتهم وسفاهتهم، وأن يقول لهم قول مسالمة ومفارقة ومتاركة براءة من شرهم: {سَلَامٌ}، ثم توعدهم بالتهديد الإلهي الصارم والوعيد المزلزل: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} ما ينزل بهم من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
القراءات المتواترة:
قرأ جمهور القراء العشرة (عاصم، حمزة، الكسائي، أبو عمرو، ابن كثير، ابن عامر، خلف العاشر، وغيرهم): {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} بياء الغيبة؛ أي فسوف يعلم هؤلاء المشركون المكذبون سوء عاقبة كفرهم.
وقرأ نافع وابن عامر (في رواية) وأبو جعفر ورويس عن يعقوب: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} بتاء الخطاب؛ مواجهة لهم بالتهديد الصريح في سياق مقول القول.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{فَاصْفَحْ}: الصفح: الإعراض الجميل والعفو، وأصله من إبداء صفحة العنق عند الإعراض عن المكروه والترفع عنه.
{فَسَوْفَ}: الفاء لترتيب الوعيد، سوف: حرف تسويف واستقبال يفيد توكيد وقوع الوعيد في ميعاده المحدد.
الإعراب الدقيق:
{فَاصْفَحْ}: الفاء فصيحة رابطة لجواب شرط مقدر، اصفح: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{عَنْهُمْ}: جار ومجرور متعلقان بالفعل (اصفح).
{وَقُلْ}: الواو عاطفة، قل: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{سَلَامٌ}: مبتدأ مرفوع بالضمة وخبره محذوف تقديره (أمري سلام، أو سلام بيننا)، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هذا سلام)، والجملة مقول القول في محل نصب.
{فَسَوْفَ}: الفاء عاطفة لترتيب الوعيد أو استئنافية، سوف: حرف استقبال وتسويف وتوكيد.
{يَعْلَمُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، ومفعول العلم محذوف للتهويل تقديره: فسوف يعلمون عاقبة أمرهم وما ينزل بهم من العذاب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مسك ختام سورة الزخرف وتطابق المطلع والمقطع:
هذا الختام الإعجازي يلتحم بصورة مذهلة مع مطلع السورة؛ ففي مطلعها قال تعالى: {أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ} مبيناً أنه لا يترك تذكيرهم رغم إسرافهم، وفي ختام السورة لما بلغت الحجة منتهاها وتمت المعذرة قال لنبيه: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}؛ فالتأم طرفا السورة في تناسق محكم بين الإعذار في البداية والصفح المصحوب بالوعيد في النهاية.
الجمع بين الحلم النبوي والبطش الإلهي: أمره بالصفح والمسالمة ترفعاً عن الجهل، وتكفل الرب الجبار بالانتقام منهم وإيقاع الوعيد بهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
التوفيق بين الأمر بالصفح وأحكام الجهاد:
زعم بعضهم أن هذه الآية منسوخة بآية السيف؛ والتحقيق الأصولي المحكم لأهل العلم والتحقيق (ابن جرير الطبري وابن كثير وابن تيمية) أنها ليست منسوخة نسخاً كلياً؛ فالصفح الجميل والمسالمة والترفع عن أذى الجاهلين منهج أصيل في مراحل الدعوة والدعوة بالتي هي أحسن وحين تقتضي الحكمة ذلك، والجهاد شُرع لإعلاء كلمة الله عند القدرة والاستطاعة ودفع العدوان؛ فكل حكم يُعمل به في موضعه وحاله اللائق به.
معنى سلام المتاركة: ليس المراد إقرارهم على باطلهم، بل هو كف الأذى اللساني والمفارقة الأخلاقية السامية للمبطلين.
الإيجاز المطلق بكلمة {سَلَامٌ}: تنكير (سلام) لإفادة التعظيم والبراءة، واختصار المشهد في كلمة واحدة تقطع الخصومة وتغلق باب السفه.
التهديد المرهوب بـ {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}: حذف مفعول العلم؛ لأن تركه مبهماً يذهب بالذهن إلى كل هول مرعب؛ فكل ما يخطر ببالهم من العذاب فهو نازل بهم في بدر ويوم القيامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
السمت النبوي في العفو والصفح: الداعية المسلم عف اللسان، متسامٍ عن المهاترات والشتم، يرد على الإساءة بالإحسان أو بالإعراض الجميل: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا}.
اليقين بنصر الله وعدالته: المؤمن يصفح ويصبر وهو واثق مطمئن إلى أن الله لا يضيع حقاً، وأن يوم الحساب كفيل بالفصل بين أهل الحق والباطل، وحينئذ يعلم الظالمون أي منقلب ينقلبون.