أخرج الإمام البخاري في صحيحه (رقم ٤٨١٧)مصدر غير محددحديث رقم ٤٨١٧، ومسلم في صحيحه (رقم ٢٧٧٥)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٧٥ واللفظ للبخاري، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: اجْتَمَعَ عِنْدَ البَيْتِ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ: قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ، أَوْ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ قَالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا، وَلاَ يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا! وَقَالَ الآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا، فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا! فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ}.
التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢١/ ٦٧٣)مصدر غير محدد٢١/٦٧٣ وابن كثير (٧/ ٢٤٩)مصدر غير محدد٧/٢٤٩: توبيخ لهؤلاء الجهلة من المشركين الذين ظنوا لجهلهم بصفات ربهم وعظمته أنه لا يسمع ما يسِرونه في نفوسهم أو يتناجون به خفية فيما بينهم؛ فأكذبهم الله بحرف الردع والتحقيق {بَلَى}؛ أي بل نحن نسمع كل همسة وخاطرة، وفوق ذلك فإن ملائكتنا الحفظة الكرام ملازمون لهم يكتبون كل قول وفعل ليحاسبوا عليه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
{سِرَّهُمْ}: السر: ما أكنه المرء في باطنه وخاطره ولم يتفوه به لغيره، أو أسره لصاحبه خفية.
{وَنَجْوَاهُمْ}: النجوى: الحديث الخفي الذي يدور بين اثنين فأكثر في مسارة وانفراد.
{بَلَى}: حرف جواب لإبطال النفي وتقرير الإثبات؛ يبطل نفي السمع ويثبت كمال السمع الإلهي.
{وَرُسُلُنَا}: المراد بالرسل هنا الملائكة الحفظة الكرام الكاتبون.
الإعراب الدقيق:
{أَمْ}: حرف عطف وإضراب منقطع.
{يَحْسَبُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل.
{لَدَيْهِمْ}: لدى: ظرف مكان مبني في محل نصب متعلق بالخبر أو بالفعل يكتبون، والهاء مضاف إليه.
{يَكْتُبُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف العوار الفكري للمشركين: لما ذكر تآمرهم وإبرامهم الكيد، بين الدافع الذي جعلهم يتجرؤون على ذلك المكر؛ وهو جهلهم التام بإحاطة علم الله وسمعه؛ إذ توهموا أنهم إذا أسروا الحديث في الغرف المغلقة نجا مكرهم من علم الخالق.
الجمع بين الرقابة الذاتية والتوثيق الملائكي: إثبات سمع الله المباشر للسر والنجوى، ثم ذكر كتابة الملائكة الحفظة؛ ليعلم الجاحد أن حسابه موثق بالدليل والشهود يوم القيامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كمال صفة السمع والعلم الإلهي المطلق:
القرآن يقرر أن سمع الله تعالى محيط بجميع المسموعات؛ يستوي في علمه وسمعه من أسر القول ومن جهر به، ومن هو مستخفٍ بالليل وسارب بالنهار؛ فالسر عنده علانية، والغيب عنده شهادة.
الرد على شبهة الحلولية والتعطيل: الملائكة يكتبون بأمر الله وحكمته لإقامة الحجة بالصحائف والكتب يوم القيامة، لا لحاجة الله إلى ذلك؛ فإن الله غني عن كل شيء ويعلم ما توسوس به نفس الإنسان قبل أن يتلفظ به.
قوة الردع بـ {بَلَى}: حرف الردع والإبطال الذي ينسف كل أوهامهم بكلمة واحدة قاطعة.
التعبير بـ {رُسُلُنَا} بدلاً من الملائكة: لإضفاء المهابة والتشريف لهؤلاء الحفظة؛ فهم رسل من لدن الملك الجبار مكلفون بملازمتهم وكتابة كل صغيرة وكبيرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
دوام المراقبة لله في السر والعلن: إذا استشعر العبد أن الله يسمع سره ونجواه وأن الملائكة يكتبون كل كلمة، استحى من الله أن يتفوه بما يسخطه أو يضمر في صدره غلاً أو مكراً.
ضبط اللسان وحفظ الخواطر: المؤمن يحاسب نفسه على كل كلمة ونجوى؛ فما كان لله أعلنه وتواصى به، وما كان لغيره كف عنه واستغفر ربه منه.