التوجيه بالمأثور: بين الطبري في تفسيره (٢١/ ٦٤٠-٦٤١)مصدر غير محدد٢١/٦٤٠ وابن كثير (٧/ ٢٣٦)مصدر غير محدد٧/٢٣٦ والقرطبي (١٦/ ١٠٨-١٠٩)مصدر غير محدد١٦/١٠٨ معنى الآية عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: لو نشاء لأهلكناكم وأبدلنا مكانكم وبدلاً منكم ملائكة يسكنون الأرض ويعمرونها ويعبدوننا ويخلف بعضهم بعضاً كما يخلف بنو آدم بعضهم بعضاً. وقيل: لجعلنا من ظهوركم ملائكة يولدون منكم بدلاً من البشر؛ لتعلموا كمال قدرتنا وأنه لا يعجزنا شيء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم وحروف المعاني:
{مِنْكُمْ}: (مِن) هنا تفيد البدل، كقوله تعالى: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ} أي بدلاً من الآخرة، وكقول الشاعر: (فَلَيْتَ لَنَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ حَفْنَةً).
{يَخْلُفُونَ}: يخلفونكم في الأرض، أو يخلف بعضهم بعضاً قرناً بعد قرن.
الإعراب الدقيق:
{وَلَوْ}: الواو عاطفة أو استئنافية، {لَوْ}: حرف شرط غير جازم يفيد امتناع الجواب لامتناع الشرط.
{نَشَاءُ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن، ومفعول المشيئة محذوف تقديره: لو نشاء استبدالكم أو خلق ملائكة.
{لَجَعَلْنَا}: اللام واقعة في جواب لو، جعلنا: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل.
{مِنْكُمْ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، أو في موضع المفعول به الثاني لـ (جعل).
{مَلَائِكَةً}: مفعول به أول منصوب بالفتحة الظاهرة.
{فِي الْأَرْضِ}: جار ومجرور متعلقان بالفعل (جعلنا) أو بـ (يخلفون).
{يَخْلُفُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب نعت لـ (ملائكة).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إظهار كمال القدرة الربانية: لما ذكر الله خلق عيسى من غير أب وجعله مثلاً لبني إسرائيل، أتبعه ببيان أن طلاقة القدرة لا تقف عند خلق إنسان بلا أب، بل لو شاء سبحانه لجعل منكم أو بدلاً منكم ملائكة يمشون في الأرض ويخلفون البشر.
الرد على استبعاد ولادة عيسى وعلى مزاعم المشركين في الملائكة: الآية تهدم زعم المشركين في بنوة الملائكة، وتؤكد أن الملائكة خلق من خلق الله مطيعون مربوبون، يخلقهم الله متى شاء وأينما شاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
طلاقة المشيئة الإلهية وعدم حتمية النظم الطبيعية:
النظم الكونية والبيولوجية الحالية (التوالد البشري، استخلاف بني آدم) ليست أمراً حتمياً واجباً بذاته، بل هي جارية بمشيئة الله وإرادته؛ والقادر على تدبير هذا النظام قادر على تبديله وخلق ملائكة خلفاء في الأرض.
بيان غنى الله التام عن الخلق: الله تبارك وتعالى غني عن البشر وطاعتهم، فلو كفروا جميعاً لم ينقص ذلك من ملكه شيئاً، ولقدر على استبدالهم بخلق مطهرين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
حرف الامتناع {لَوْ}: إبراز أن عدم وقوع هذا التبديل إنما هو لرحمة الله وحكمته في استخلاف بني آدم وابتلائهم، لا لعجز أو امتناع في القدرة الذاتية.
التعبير بـ {يَخْلُفُونَ}: دلالة على الإحلال التام والتسلسل في التعمير والعبادة في الأرض دون فساد أو سفك دماء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار هوان المخلوق وعظمة الخالق: العبد المؤمن يتواضع لعظمة الله ويعلم أنه لا يمن على الله بإيمانه وعمله؛ فإن الله قادر على أن يستبدل به غيره في طرفة عين.
التخويف من سنة الاستبدال: إذا أعرض الناس عن هدى الله، عرضوا أنفسهم لسنته الماضية في الإهلاك والاستبدال: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}.