بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 627)جامع البيانالطبري٢١/٦٢٧ أن الحروف المقطعة في فواتح السور، ومنها {حم}، هي من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه عند طائفة من السلف، أو هي حروف للتنبيه والتحدي والإعجاز؛ لإظهار أن هذا القرآن الكريم المعجز مؤلف من جنس هذه الحروف الهجائية التي ينطق بها العرب ويتخاطبون بها في أسواقهم ومحافلهم، ومع ذلك عجزوا مجتمعين عن الإتيان بسورة من مثله.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 219)مصدر غير محدد٧/٢١٩ عن مجاهد وقتادة وابن عباس رضي الله عنهم أن (حم) اسم من أسماء الله تعالى، وقيل: اسم من أسماء القرآن، وقيل: قسم أقسم الله به.
وجاء عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله: "إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهن"، لما اشتملت عليه هذه السور الكريمة من بديع النظم وتقرير دلائل التوحيد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{حم}: حرفان من حروف الهجاء؛ الحاء والميم.
الإعراب:
يجوز في {حم} وجهان مشهوران عند النحاة:
مبني على السكون لا محل له من الإعراب كسائر حروف التهجي، مسروداً مساق التحدي.
اسم للسورة مبني على السكون (أو الضم) في محل رفع مبتدأ، وخبره الجملة القسمية بعده، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هذه حم).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
رابعة الحواميم السبع: اتفقت الحواميم السبع جميعاً في افتتاحها بـ {حم} متبوعة بالتنويه بعظمة القرآن الكريم ومصدره الإلهي؛ مما يشكل وحدة نسقية متسقة تؤكد أصالة الوحي وحفظه وكونه حجة بالغة على الثقلين.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض مزاعم الاستشراق حول الرموز السرية: يدعي بعض المستشرقين أن فواتح السور شفرات سرية أو اختصارات لأسماء كتبة المصاحف، والرد العقلي والتاريخي: أن القرآن نزل بلسان عربي مبين على أمة فصيحة لم تستنكر هذه الفواتح بل فهمت مغزاها التحديي؛ فالعرب الذين حاربوا الدعوة بكل وسيلة لم يطعنوا في فواتح السور؛ لأنهم علموا أنها أسلوب عربي رفيع في قرع الأسماع والتحدي بجنس الحروف.
برهان العجز البشري: الحروف بين أيديهم وفي مقدورهم، لكن التركيب القرآني المعجز خارج عن طوق قدرتهم، وهو برهان عقلي قاطع على أن القرآن تنزيل من حكيم حميد.
براعة الاستهلال: التنبيه بالحروف المقطعة لجذب قلوب المخاطبين وتطهير أذهانهم من شواغل الدنيا لاستقبال كلام رب العالمين.
الإشارة التدبرية: عظمة القرآن في بساطة مادته اللفظية وعلو معانيه؛ فالحروف التي تبني كلام البشر العادي هي ذاتها التي صاغ الله منها كلامه المعجز المخلد في أم الكتاب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعظيم فواتح السور والتأدب عند تلاوتها وتدبرها.
استشعار كمال حكمة الله في تنزيل كتابه بما يعجز الفصحاء ويهدي الحائرين.
الإقبال على مدارسة الحواميم والعيش في رياضها الإيمانية الوارفة.