بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 660)جامع البيانالطبري٢١/٦٦٠ أن النبي صلى الله عليه وسلم (أو كل رسول نذير) يحاجج قومه بأقوى حجة عقلية تفضح عنادهم وتجردهم من طلب الحق: قال لهم: أتتبعون آباءكم وتقتدون بهم حتى لو جئتكم من عند الله بدين أهدى وأقوم وأصلح لكم في المعاش والمعاد من الدين والمنهاج الذي وجدتم عليه آباءكم؟ فأجابوا بالصراحة الفجة والتمرد السافر قائلين: إنا بما أرسلتم به كافرون، لا نبالي أكان أهدى أم أضل!
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 230)مصدر غير محدد٧/٢٣٠ قراءة ابن عامر وحفص: {قَالَ} بصيغة الماضي إخباراً عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقرأ الباقون: {قُلْ} بصيغة الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم ذلك.
وأوضح ابن عاشور أن جوابهم بـ {إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} كشف نهائي للغطاء؛ حيث سقطت كل أقنعة الدفاع عن الآباء وتبين أن المسألة عناد محض وجحود معاند يرفض الهدى حتى لو ثبتت أفضليته وظهوره كالشمس في رابعة النهار.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{بِأَهْدَى}: اسم تفضيل من الهداية؛ أي بأعظم هدى وأوضح رشاداً وأقوم قيلاً.
الإعراب:
{قَالَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على النذير أو النبي.
الهمزة للاستفهام الإنكاري والتقريري.
الواو للحال، {لَوْ}: حرف شرط غير جازم (حالية شرطية تفيد المبالغة والاستقصاء).
{جِئْتُكُمْ}: فعل ماض وفاعله ومفعوله، والجملة في محل نصب حال، وجواب لو محذوف دل عليه ما قبله؛ أي: أتتبعونهم ولو جئتكم بأهدى؟
{بِأَهْدَى}: الباء حرف جر، {أَهْدَى}: اسم مجرور بالفتحة المقدرة للتعذر نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للوصفية ووزن أفعل، والجار والمجرور متعلقان بجئتكم.
{مِمَّا}: {مِنْ}: حرف جر، {مَا}: اسم موصول مبني في محل جر متعلق بأهدى.
{وَجَدْتُمْ}: فعل ماض وفاعله.
{عَلَيْهِ}: جار ومجرور متعلقان بوجدتم.
{آبَاءَكُمْ}: مفعول به لوجدتم منصوب بالفتحة، والكاف مضاف إليه، وجملة الصلة لا محل لها.
{قَالُوا}: فعل ماض وفاعله، والجملة مستأنفة جواباً لقيله.
{أُرْسِلْتُمْ}: فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون، والتاء نائب فاعل، والميم للجمع، والجملة صلة ما لا محل لها.
{بِهِ}: جار ومجرور متعلقان بأرسلتم.
{كَافِرُونَ}: خبر إن مرفوع بالواو، وجملة إن واسمها وخبرها مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الإلزام العقلي الحاسم وقطع حبال المعاذير: جاء سؤال الرسول {أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى} ليضع المشركين أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاعتراف بالهدى إذا ظهرت أدلته، أو الاعتراف بأنهم معاندون مكابرون يتبعون الهوى المحض.
التعبير التنازلي بـ {بِأَهْدَى}: أسلوب تنزل مع الخصم في المناظرة؛ كأنه يقول: هبوا أن دين آبائكم فيه نوع هدى، فإذا جئتكم بما هو أهدى منه وأقوم، أفلا يقضي العقل باتباع الأكمل والأهدى؟
صراحة الجواب الوقح {إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}: بعد سقوط حجة التقليد، لجؤوا إلى الجحود الصريح، وهو ما استوجب الانتقام الإلهي المباشر في الآية الخامسة والعشرين: {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
قاعدة تفضيل الأهدى وسقوط التعصب المذهبي والقبلي: الآية تؤصل قاعدة عقلية بدهية في نظرية المعرفة: العاقل يطلب الهدى ويبحث عن الأرشد والأكمل، فإذا تبين له الحق بدليله ترَكَ ما سواه وضرب بما خالفه عرض الحائط؛ فالتعصب للأشخاص أو الآباء أو المذاهب عند ظهور الدليل الصريح خروج عن مقتضى العقل والإنصاف.
كشف حقيقة الكفر بأنه عناد نفسي لا جهل معرفي: الآية تبرهن على أن كفر المعاندين ليس لغموض في أدلة الإسلام، بل لاستكبار نفسي ورفض للانقياد، كما قال تعالى في سورة النمل: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا}.