بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 668)جامع البيانالطبري٢١/٦٦٨ أن المشركين أظهروا مقياسهم الطبقي المادي الفاسد في تقويم النبوة والرسالة؛ فقالوا: هلا أُنزل هذا القرآن واختيرت الرسالة لرجل عظيم الشأن ذي مال وجاه وثروة وشرف دنيوي من إحدى هاتين القريتين: مكة أو الطائف؟
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 233)مصدر غير محدد٧/٢٣٣ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد أنهم أرادوا برجل مكة: الوليد بن المغيرة المخزومي، وبرجل الطائف: عروة بن مسعود الثقفي (أو كنانة بن عبد ياليل، وقيل غيرهما من كبراء البلدين)؛ فكانوا يزعمون بسفههم أن النبوة والوحي منصب دنيوي يجب أن يتبع الرئاسة القبلية والثروة المالية!
وأوضح القرطبي أن هذا اعتراض وقح على حكمة الله في اختيار رسله؛ حيث قاسوا الأمور بمقاييس الجاهلية المادية البحتة، فاستكثروا النبوة على محمد صلى الله عليه وسلم لأنه نشأ يتيماً فقيراً في ظاهر أمره، وغفلوا عن كماله الأخلاقي والروحي الذي لا يدانيه أحد في الوجود.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لَوْلَا}: حرف تحضيض وتوبيخ؛ بمعنى (هلا).
{الْقَرْيَتَيْنِ}: مكة المكرمة والطائف.
{عَظِيمٍ}: ذو سيادة وجاه وثروة وقوة في قومه بحسب المقاييس المادية الجاهلية.
الإعراب:
{وَقَالُوا}: الواو عاطفة، فعل ماض وفاعله.
{لَوْلَا}: حرف تحضيض وتوبيخ مبني على السكون.
{نُزِّلَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مبني على الفتح.
{هَذَا}: اسم إشارة مبني في محل رفع نائب فاعل.
{الْقُرْآنُ}: بدل من اسم الإشارة أو نعت مرفوع بالضمة.
{عَظِيمٍ}: نعت ثانٍ لرجل مجرور بالكسرة، وجملة التحضيض مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف جوهر الصراع والعلة الكبرى في استكبارهم: الآية تضع اليد على السبب الجذري لرفض قريش للنبوة؛ وهو الحسد الطبقي والاستكبار المادي؛ لم يستطيعوا الطعن في صدق النبي وأمانته، فطعنوا في عدم كونه من أصحاب الملايين والزعامات الإقطاعية!
التناقض الصارخ مع منطق الرسالة: يعترفون بعظمة القرآن في ذاته {هَذَا الْقُرْآنُ}، ولكنهم يعترضون على الوعاء الطاهر الذي اختاره الله لحمله، رغبة في أن يكون لرؤسائهم ليحافظوا على نفوذهم وسلطانهم.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير مفهوم (العظمة) الحقيقية وتفنيد النزعة المادية الطبقية: الآية تعري الفلسفة المادية التي تجعل المال والجاه مقياساً للفضل والقيادة؛ فالقرآن يقرر أن عظمة الإنسان الحقيقية تكمن في طهارة روحه، وكمال خلقه، واستقامته على أمر الله، وأهليته لتلقي الوحي، وليس بتكديس الأموال والقصور؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم كان أعظم الخلق خُلقاً وأكملهم عقلاً وأشرفهم نسباً وإن كان فقيراً، بينما صناديد قريش كانوا سفهاء أحلام وإن ملكوا خزائن الأموال.
بطلان التدخل البشري في الاصطفاء الإلهي: النبوة اصطفاء رباني قائم على علم الله المطلق ببواطن النفوس: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}، وليست انتخابات ديمقراطية ولا مناصب تباع وتشترى في أسواق المال.
أسلوب التحضيض بـ {لَوْلَا}: لإظهار اعتراضهم واستعلائهم على حكم الله وتدبيره.
التعبير بـ {رَجُلٍ... عَظِيمٍ}: بالتنكير لإطلاق الوصف على أي زعيم من كبرائهم، مما يفضح أن همهم كان المظهرية والوجاهة لا الحق والعدل.
الإشارة التدبرية: كم من مسكين أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره، وكم من ذي ثروة وجاه لا يزن عند الله جناح بعوضة؛ فالمقاييس الإلهية تزن القلوب والأعمال لا المظاهر والأموال.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير المجتمعات والمؤسسات من مقاييس التمييز الطبقي والمادي في تولي المناصب والمسؤوليات.
تقدير أهل العلم والفضل والدين لتقواهم وكفاءتهم، وعدم الانخداع بالمظاهر والثروات الزائلة.
التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في تواضعه وزهده وعفته؛ فقد خُيّر بين أن يكون نبياً ملكاً أو عبداً نبياً، فاختار أن يكون عبداً نبياً.