بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 628)جامع البيانالطبري٢١/٦٢٨ أن المعنى: إنا صيرنا هذا الكتاب وأنزلناه قرآناً بلسان عربي مبين، فصيح الألفاظ واضح المعاني؛ لكي تعقلوه أيها المخاطبون وتفهموا حدوده وفرائضه ومواعظه، فلا يتعذر عليكم فهم شيء منه.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 220)مصدر غير محدد٧/٢٢٠ أن لغة العرب أفصح اللغات وأوسعها وأبينها وأعذبها وأقدرها على أداء المعاني الدقيقة؛ فلذلك نزل أشرف الكتب بأشرف اللغات على أشرف الرسل في أشرف البقاع وكان ذلك لأجل أن يعقل الناس حكمه ومراده.
وذكر القرطبي في (تفسيره، ج 16، ص 61)مصدر غير محدد١٦/٦١ أن قوله: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} تعليل لإنزاله عربياً؛ ليفهموا معانيه ويدركوا إعجازه وبلاغته.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{جَعَلْنَاهُ}: الجعل هنا بمعنى التصيير أو التسمية والإنزال والوصف؛ أي صيرناه قرآناً مقروءاً بلسان العرب.
{قُرْآنًا}: القرآن في الأصل مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآناً، سمي به الكتاب لملازمة القراءة له أو لجمعه السور والآيات والأحكام.
{عَرَبِيًّا}: منسوب إلى العرب ولسانهم الفصيح.
الإعراب:
{إِنَّا}: حرف توكيد ونصب، و(نا) ضمير متصل مبني في محل نصب اسم إن.
{جَعَلْنَاهُ}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، والهاء ضمير متصل مفعول به أول.
{قُرْآنًا}: مفعول به ثانٍ لجعل منصوب بالفتحة (أو حال).
{عَرَبِيًّا}: نعت لقرآناً منصوب بالفتحة.
{لَعَلَّكُمْ}: حرف ترجّ ونصب من أخوات إن، والكاف اسمها.
{تَعْقِلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر لعل، وجملة (لعلكم تعقلون) تعليلية لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جواب القسم المقدر أو الظاهر: وقعت هذه الآية جواباً للقسم في قوله: {وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ}؛ كأنه أقسم بالكتاب المبين على أنه جعله قرآناً عربياً معجزاً لتعقلوه.
ربط العربية بالعقل: تعليل إنزاله عربياً بـ {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} يبرز أن الغاية الكبرى من التنزيل هي الفهم العقلي والتدبر الواعي، لا مجرد التلاوة الحرفية دون فقه.
التمهيد لبيان رفعته في أم الكتاب: لما كان اللسان العربي وسيلة الإبلاغ والتفهيم في الأرض، بيّن في الآية التالية أن هذا الكتاب محفوظ في اللوح المحفوظ في السماء في أعلى مراتب الشرف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
تحرير معنى (الجعل) والرد على شبهة المعتزلة في خلق القرآن: استدل المعتزلة بقوله: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} على أن القرآن مخلوق زاعمين أن الجعل مرادف للخلق، والرد الحاسم من أئمة أهل السنة والجماعة (كالطبري والبغوي وابن تيمية وابن كثير):
لسان العرب يفرق بين الجعل بمعنى الخلق (الذي يتعدى لمفعول واحد كقوله: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ})، وبين الجعل المتعدي لمفعولين الذي يفيد التصيير والتسمية والوصف؛ كقوله تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا}؛ أي سموهم ووصفوهم، ولم يخلقوهم، وقوله: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ}.
القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، تكلم الله به حقيقة بحرف وصوت سمعه جبريل فأداه إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وجعله الله مقروءاً بلسان العرب رحمة بهم وتيسيراً لتعقله.
عالمية الرسالة مع عربية اللسان: إنزال القرآن باللسان العربي لا ينافي عالمية الإسلام؛ لأن الفصاحة العربية كانت الوعاء الأكفأ والأدق لنقل المعاني الشرعية إلى سائر الأمم واللغات.