بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 627)جامع البيانالطبري٢١/٦٢٧ أن الله تعالى يقسم بالقرآن الكريم الذي أبان فيه لعباده سبل الرشاد وطرق النجاة، وفصل فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام، وأوضح فيه دلائل التوحيد وقصص الأمم السابقة ومصير المكذبين؛ فالمبين هو البيّن في نفسه، المظهر لغيره من الحقائق الإلهية والشرائع المحكمة.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 220)مصدر غير محدد٧/٢٢٠ أن هذا قسم من الله بالقرآن الموضح للحق الكاشف للباطل، وجواب القسم هو قوله تعالى في الآية التالية: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}.
وأوضح ابن عاشور في (التحرير والتنوير، ج 25، ص 156)التحرير والتنويرابن عاشور٢٥/١٥٦ أن وصف الكتاب بـ {الْمُبِينِ} تأكيد لكمال بيانه ووضوحه ورفع كل لبس أو عوج عنه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الْكِتَابِ}: اسم للقرآن الكريم، من الكَتْب وهو الجمع والضم في السطور والصحف.
{الْمُبِينِ}: اسم فاعل من أبان؛ وهو يستعمل لازماً بمعنى البيّن الواضح، ومتعدياً بمعنى المبيّن المظهر للحق والموضح للسبيل.
الإعراب:
{وَالْكِتَابِ}: الواو واو القسم حرف جر، {الْكِتَابِ}: اسم مجرور بواو القسم وعلامة جره الكسرة، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره (أُقسم).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اتصال القسم بالمقسم به: بعد افتتاح السورة بالحروف المقطعة التي تتحدى الفصحاء، أقسم بالكتاب الذي تألف من تلك الحروف؛ لبيان شرفه وفضله.
التمهيد لجواب القسم: القسم بالكتاب المبين يمهد لتقرير أصله السماوي في اللوح المحفوظ ولغته العربية الميسرة للفهم والتدبر.
انسجام الوصف مع غايات الهداية: وصفه بـ {الْمُبِينِ} يقطع عذر كل معرض ومكذب؛ فالطريق واضح لا غبش فيه ولا عسر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد دعوى الغموض أو التعقيد في العقيدة الإسلامية: يزعم الملاحدة والمستشرقون أن النصوص الدينية غامضة ومليئة بالألغاز، والرد القرآني الحاسم بوصف الكتاب بأنه {مُبِينٌ}؛ فعقائد الإسلام وتشريعاته وأركانه الكبرى واضحة جلية توافق صريح الفطرة والعقل، لا تحتاج إلى كهنوت ولا طلاسم فلسفية.
القسم الإلهي بالمخلوق: يجوز لله تعالى أن يقسم بما يشاء من مخلوقاته وآياته تعظيماً لها وبياناً لفضلها، أما المخلوق فلا يجوز له القسم إلا بالله وصفاته وأسمائه.
المجاز والاشتقاق في {الْمُبِينِ}: جمع بين الدلالتين اللازمة والمتعدية؛ فهو واضح في إعجازه ونظمه، وموضح لكل ما تحتاج إليه البشرية من أصول الهدى والتشريع.
الإشارة التدبرية: من أراد وضوح الرؤية في زمن الفتن والظلمات فليستنر بنور هذا الكتاب المبين؛ فإنه يكشف زيف الشبهات ويبصر بالحقائق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
لزوم القرآن الكريم تلاوة وتدبراً وعملاً؛ لأنه المرجع المبين الذي لا يضل من استمسك به.
دعوة الناس بأسلوب مبين وواضح يقتدي ببيان القرآن ووضوحه ورفقه.
اليقين بأن الحق ناصع والباطل داحض أمام سلطان الحجة القرآنية المبينة.