روى الطبري (٢١/ ٦٦٢-٦٦٣)مصدر غير محدد٢١/٦٦٢ وابن كثير (٧/ ٢٤٥)مصدر غير محدد٧/٢٤٥ والقرطبي (١٦/ ١١٦)مصدر غير محدد١٦/١١٦: أخرج الإمام مسلم في صحيحه (رقم ٢٧٥٤)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٥٤ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ مَنْزِلَانِ: مَنْزِلٌ فِي الجَنَّةِ، وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَإِذَا مَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ، وَرِثَ أَهْلُ الجَنَّةِ مَنْزِلَهُ»، فذلك قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.
وروى مجاهد وقتادة: أورثكم الله منازل أهل النار التي كانت لهم لو أطاعوا الله، فصارت للمؤمنين خالصة بفضل إيمانهم وجهادهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{أُورِثْتُمُوهَا}: الإيراث: انتقال المال والمُلك إلى الوارث بعد موت المورث؛ واستعير هنا لاستقرار ملكهم للجنة استقراراً دائماً لا ينازعهم فيه أحد ولا يزول عنهم.
{بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}: الباء للسببية والمصاحبة، و(ما) مصدرية أو موصولة.
الإعراب الدقيق:
{وَتِلْكَ}: الواو عاطفة أو استئنافية، تي: اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف للخطاب.
{الْجَنَّةُ}: بدل من اسم الإشارة أو عطف بيان مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الَّتِي}: اسم موصول مبني في محل رفع خبر المبتدأ (أو نعت للجنة).
{أُورِثْتُمُوهَا}: أورث: فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله مبني على السكون، والتاء ضمير متصل مبني في محل رفع نائب فاعل، والميم للجمع، والواو للإشباع، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به ثانٍ، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{بِمَا}: الباء حرف جر للسببية، ما: مصدرية (أو موصولة).
{كُنْتُمْ}: كان فعل ماض ناسخ، والتاء اسمها، والميم للجمع.
{تَعْمَلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان، والمصدر المؤول من (ما وما بعدها) في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل (أورثتموها).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج النعيم ببيان أسباب الاستحقاق والكرامة: بعد أن وصف الجنة وصحاف الذهب والأكواب ومشتهيات الأنفس ولذائذ الأعين والخلود، أشار إليها إشارة التعظيم والفخر: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ}؛ ليقر في نفوسهم أن هذا الفوز العظيم لم يكن صدفة ولا أماني خاوية، بل كان ثمرة إيمانهم وعملهم وصبرهم ومجاهدتهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التوفيق العقدي بين نفي دخول الجنة بالعمل وإثبات الإيراث بالعمل:
الشبهة: كيف نجمع بين الحديث الصحيح في البخاري ومسلم: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الجَنَّةَ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ»، وبين قوله تعالى: {أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}؟
المحاكمة والجمع الأصولي الدقيق لأهل السنة:
١. الباء في الحديث هي باء المعاوضة والثمنية التامة؛ أي إن عمل الإنسان القاصر لا يكافئ نعيم الجنة الأبدي ولا يصلح أن يكون ثمناً وعوضاً مساوياً له؛ إذ ركعة العبد لو وزنت بنعمة بصر واحدة لاستغرقتها.
٢. الباء في الآية الكريمة هي باء السببية؛ أي إن العمل الصالح سبب جعله الله بفضله ورحمته علامة وموجباً لنيل كرامته ودخول جنته واقتسام درجاتها ومنازلها؛ فالأصل فضل الله ورحمته، والعمل الصالح هو السبب والمناط.
الإشارة بـ {تِلْكَ}: اسم إشارة للبعيد يفيد التعظيم البالغ لعلو مكانة الجنة ورفعة درجاتها وبهاء قصورها.
الاستعارة في {أُورِثْتُمُوهَا}: استعارة الإرث لبيان حصول النعيم بلا كلفة نزاع بعد تعب الدنيا، وللتأكيد على دوام الملك وثبوته للمؤمن كالميراث التليد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إسقاط الاتكالية الكاذبة والأماني الخادعة: الجنة سلعة الله الغالية ولا تُنال بالأماني ولا بالتمني مع تضييع الفرائض وانتهاك المحارم؛ فلابد من بذل العمل الصالح والجهاد المستمر: {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.
الجمع بين العمل الصالح وحسن الظن برحمة الله: يجتهد العبد في العبادة كأنه لا يدخل إلا بعمله، ويرجو رحمة الله وفضله كأنه لم يقدم عملاً قط.