بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 666)جامع البيانالطبري٢١/٦٦٦ أن الله تعالى يفضح الموقف المخزي لمشركي مكة؛ فلما جاءهم ذلك الحق الأبلج بالقرآن العظيم والنور المبين على لسان الصادق الأمين، لم يقابلوه بالقبول والشكر، بل بهتوا الحق وقابلوا النعمة بالجحود قائلين في وقاحة ومكابرة: {هَذَا سِحْرٌ}؛ أي هذا الذي جئتنا به يا محمد سحر وتخييل يفرق بين المرء وأهله، {وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ}؛ أي وإنا جاحدون به منكرون لكونه من عند الله، مصرون على كفراننا.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 232)مصدر غير محدد٧/٢٣٢ أن وصفهم للقرآن بالسحر كان لفرط عجزهم وانقطاع حيلتهم أمام سلطانه البياني وتأثيره المعجز في القلوب؛ فلما عجزوا عن معارضته بمثله، ولم يستطيعوا دفع حججه، لجؤوا إلى الطعن الرخيص ورميه بالسحر لصد الناس عن استماعه.
وذكر القرطبي أن الجمع بين رميه بالسحر وإعلان الكفر به يدل على تمحض العناد واجتماع الجهل والظلم في نفوسهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{سِحْرٌ}: السحر في اللغة: صرف الشيء عن وجهه الحقيقي وإبرازه في صورة تخييلية باطلة؛ مأخوذ من خفاء السبب ولطفه.
{كَافِرُونَ}: خبر إن مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة معطوفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سرعة المقابلة بين النعمة والجحود: في الآية السابقة بيّن مجيء الحق إليهم بعد التمتيع، وفي هذه الآية عطف بـ {وَلَمَّا جَاءَهُمُ} ليصور المفاجأة الصادمة في ردة فعلهم؛ فبدل أن يفرحوا بالحق قابلوه بالبهتان.
الإشارة بـ {هَذَا}: اسم الإشارة للقريب الحاضر بين أيديهم المشهود بوضوحه وفصاحته، ومع ذلك يصفونه بالسحر مكابرة للمحسوس!
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شهادة العجز في دعوى السحر: يثبت التحليل الفكري والنقدي أن رمي القرآن بالسحر هو أعظم اعتراف ضمني من فصحاء قريش بقوته الخارقة وسلطانه غير البشري؛ إذ لو كان كلاماً بشرياً عادياً لعارضوه بأشعارهم وخطبهم، فلما عجزوا وأحسوا بروعته في النفوس سموه (سحراً) للهروب من استحقاق الإيمان به.
الفرق الجوهري بين الوحي والسحر: السحر باطل وتخييل واستعانة بالشياطين لخدمة الأهواء وإفساد الأخلاق، أما القرآن فنور وحق وأمر بالعدل والبر ومكارم الأخلاق وعبادة الواحد القهار؛ فكيف يلتبس الحق الأبلج بالباطل اللجلج إلا في عين أعمى البصيرة؟