بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 633)جامع البيانالطبري٢١/٦٣٣ أن الله تعالى يسلّي نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من أذى قومه وتكذيبهم؛ فيخبره بأنه أرسل عدداً كثيراً وجموعاً غفيرة من الأنبياء والرسل في الأمم السابقة والقرون الماضية، يدعونهم إلى التوحيد وينذرونهم عاقبة الشرك.
وقال ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 222)مصدر غير محدد٧/٢٢٢: المعنى: كم بعثنا من نبي في الأمم الخالية، فلا تحزن يا محمد على تكذيب هؤلاء؛ فإن الرسل قبلك قد كُذّبوا وصبروا، وتلك سنة الله في دعوة الأنبياء ومواجهة الجاحدين.
وأوضح ابن عاشور أن {كَمْ} هنا خبرية تفيد التكثير البالغ للأنبياء؛ لبيان أن طريق الدعوة موصول وموكب النبوة ممتد عبر التاريخ الإنساني.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{كَمْ}: كم الخبرية التكثيرية، تدل على العدد الكثير وتفيد الإخبار والافتخار والتعظيم.
{الْأَوَّلِينَ}: جمع أول، والمراد بهم الأمم السالفة والقرون الماضية التي سبقت قريشاً.
الإعراب:
{وَكَمْ}: الواو استئنافية، {كَمْ}: اسم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم لأرسلنا (أو مبتدأ).
{أَرْسَلْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل.
{فِي الْأَوَّلِينَ}: جار ومجرور متعلقان بأرسلنا، وعلامة الجر الياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تسلية قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم: لما ذكر إسراف قومه وعنادهم، سكب السكينة في قلبه ببيان أن ما يواجهه ليس بدعاً في التاريخ، بل هو شأن موكب النبوة منذ فجر الإنسانية.
التوطئة لذكر سنة الاستهزاء ثم الهلاك: ذكر إرسال الأنبياء بكثرة مهد للآيتين التاليتين: استهزاء الأمم بهم، ثم حلول العذاب والاستئصال بالمكذبين.
إثبات وحدة الرسالة: تتابع الأنبياء يبرز أن دعوة التوحيد أصل راسخ اتفقت عليه كلمة الأنبياء جميعاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد شبهة استغراب الوحي والرسالة: كان كفار قريش يتعجبون ويقولون: {أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا}، فالآية تسفه هذا الاستغراب وتبين أن إرسال الأنبياء من البشر سنة كونية متكررة في الأولين لا وجه لإنكارها إلا الجهل المطبق بالتاريخ.
كثرة الرسل دليل على حجة الله البالغة: إرسال الأنبياء المتتابع يقطع أي حجة للبشر بالجهل أو الغفلة: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}.