بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 691)جامع البيانالطبري٢١/٦٩١ أن الله تعالى يوجّه الخطاب لنبيه صلى الله عليه وسلم، والمراد إقامة الحجة القاطعة على مشركي قريش: وسل يا محمد من أرسلنا قبلك من الرسل؛ بالنظر في كتبهم وشرائعهم، وبسؤال أتباعهم من مؤمني أهل الكتاب المتمسكين بتوراة موسى وإنجيل عيسى غير المحرفة: هل أرسل الله رسولاً أو شرع في كتاب من كتبه عبادة صنم أو وثن أو شريك من دون الرحمن؟ أم جاءت الرسل كلهم بالتوحيد الخالص وإفراد الرحمن بالعبادة؟
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 240)مصدر غير محدد٧/٢٤٠ قول مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير والزهري: أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي الأنبياء ليلة الإسراء والمعراج في بيت المقدس وصلى بهم إماماً، فلم يسألهم لأنه كان على يقين تام بأنهم جميعاً دعوا إلى لا إله إلا الله، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}.
وأوضح القرطبي أن السؤال هنا مساق لإظهار الإجماع النبوي المتطابق عبر تاريخ البشرية على توحيد الله؛ فالأنبياء أمة واحدة ودينهم واحد وعقيدتهم واحدة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَاسْأَلْ}: أمر بالسؤال؛ والمراد به التيقن والتحقيق وإظهار شهادة تاريخ النبوات.
{الرَّحْمَنِ}: اسم الله الدال على سعة الرحمة التي غمرت الوجود، والمستحق وحده للعبادة.
الإعراب:
{وَاسْأَلْ}: الواو عاطفة أو استئنافية، فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{مَنْ}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به أول لاسأل (أو منصوب بنزع الخافض).
{أَرْسَلْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، وجملة الصلة لا محل لها.
{مِنْ دُونِ}: جار ومجرور متعلقان بآلهة أو بمحذوف حال، {الرَّحْمَنِ}: مضاف إليه مجرور.
{آلِهَةً}: مفعول به أول لجعلنا منصوب بالفتحة.
{يُعْبَدُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل، والجملة في محل نصب مفعول به ثانٍ لجعلنا (أو نعت لآلهة)، وجملة الاستفهام الاستنكاري سدت مسد المفعول الثاني لفعل السؤال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الاحتكام إلى الإجماع النبوي العام: بعد أن حصرهم القرآن بالحجج العقلية والنقلية الخاصة بمكة وإبراهيم، فتح الأفق المعرفي على تاريخ النبوات والرسالات السماوية كلها، ليعلن أن الشرك بدعة ساقطة لم يقل بها رسول قط.
تكرار اسم {الرَّحْمَنِ}: للمقابلة بين سعة إنعامه وبين جحود المشركين الذين يتخذون من دونه آلهة لا تملك نفعاً ولا ضراً.
التمهيد لقصة موسى عليه السلام مع فرعون في الآية التالية: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ}؛ لتقديم نموذج تطبيقي عياني لرسالة التوحيد ومواجهتها للطغيان المادي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
وحدة العقيدة وأصل الدين عند سائر الأنبياء (أصل أصول التوحيد): الآية تقطع بأن أصل الدين والعقيدة عند نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين واحد لا يتبدل؛ وهو التوحيد وإفراد الله بالعبادة ونبذ الشرك؛ وإنما تباينت الشرائع في الفروع والأحكام بحسب الزمان والمكان: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}، فمن زعم أن في الأديان السماوية السابقة شركاً أو تثليثاً أصلياً فقد افترى على الله ورسله؛ فالتحريف طرأ بعد الأنبياء.
الاستدلال بالتواتر التاريخي للنبوة: اتفاق مئات الرسل وآلاف الأتباع عبر العصور والقارات دون تلاقٍ مادي على عقيدة التوحيد الخالص برهان عقلي قطعي وتواتر تاريخي لا يدع مجالاً للشك في مصدره الإلهي الواحد.
الاستفهام الإنكاري في {أَجَعَلْنَا}: يحمل معنى النفي القاطع؛ أي: لم نجعل قط من دون الرحمن آلهة تعبد.
الجمع بين (مَنْ) الموصولة والبيان بـ {مِنْ رُسُلِنَا}: للتوكيد واستقصاء سائر الرسل والمرسلين.
الإشارة التدبرية: موكب الحق واحد ممتد من آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، والمؤمن يشعر بالسكينة حين يعلم أنه ينتمي إلى هذا الصف الطاهر المصطفى من خيرة خلق الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترسيخ عقيدة التوحيد كقضية مركزية لا تقبل المساومة في الخطاب الدعوي.
الاستدلال باتفاق الأنبياء ومصادر الشرائع الصادقة في مناظرة أهل الكتاب والمشركين.