بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 697)جامع البيانالطبري٢١/٦٩٧ أن المعنى: فلما استجاب الله دعاء موسى رحمة وإعذاراً، فرفع وأزال عن فرعون وقومه ذلك العذاب الذي أخذهم به من الطوفان والجراد والقمل ونحوها، فإذا هم يفاجئون الموقف بنكث عهودهم ونقض مواثيقهم؛ فيرجعون إلى كفرهم وطغيانهم وعتوهم، ويأبون الإيمان بموسى وإرسال بني إسرائيل معه، غدراً وخيانة ولؤماً.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 242)مصدر غير محدد٧/٢٤٢ أن هذا النكث تكرر منهم مراراً مع كل آية وعذاب؛ مما يبرهن على تجذر الفساد في طبائعهم واستحقاقهم الكامل للهلاك والاستئصال النهائي في اليم.
وأوضح القرطبي أن النكث هو نقض الحبل المبروم بعد إحكامه؛ استعير لنقض العهود المؤكدة والرجوع عن الوعود الصادقة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الْعَذَابَ}: مفعول به منصوب بالفتحة، والجملة مضاف إليها.
{إِذَا}: فجائية رابطة لجواب لما أو واقعة في جوابه.
{هُمْ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{يَنْكُثُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ والخبر جواب لما لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سرعة الانتكاس ونقض العهد: التعبير بـ {إِذَا} الفجائية يقابل الفجائية الأولى في الضحك؛ ليدل على أن النكث والغدر كان مباغتاً وسريعاً بمجرد زوال الألم وتنفس الصعداء.
المقابلة الصادمة: بين عظم المنة والرحمة الإلهية في كشف العذاب {كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ}، وبين قبيح الغدر واللؤم البشري في نقض العهد {إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ}.
التمهيد لخطاب فرعون الاستعلائي: هذا النكث والغدر مهد مباشرة للآية الحادية والخمسين حيث استعاد فرعون صلفه وبطر بملكه وأنهاره.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
طبائع الطغاة في نكث المواثيق: الآية ترسم قاعدة نفسية وسياسية مطردة: الطاغية المستكبر لا يؤمن بالعهود والمواثيق إلا في لحظات ضعفه وانكساره العسكري أو الاقتصادي، فإذا استعاد أنفاسه وزال الخطر نكث عهوده وانقلب على عقبيه؛ فالتعويل على مواثيق الطغاة بلا قوة تحميها وهم وسذاجة.
حتمية العقوبة بعد تكرار النكث: كشف العذاب لم يكن لعجز في القدرة الإلهية، بل لإقامة الحجة البالغة وقطع المعاذير؛ حتى إذا حلت عقوبة الغرق لم يبقَ لأحد منهم عذر ولا شبهة مظلومية.
الاستعارة في لفظ {يَنْكُثُونَ}: استعارة نقض الحبل لنقض العهد والميثاق لإبراز بشاعة الغدر.
التعبير بـ {إِذَا} الفجائية: لتصوير سرعة المبادرة بالخيانة دون أدنى حياء أو تردد.
الإشارة التدبرية: كم من عبد عاهد الله في مرضه وشدته أن يتوب ويستقيم، فلما عافاه الله وكشف عنه ضره نكث عهده وعاد إلى غفلته! فالحذر الحذر من نكث العهود مع الله: {فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الوفاء بالعهود والنذور والمواثيق مع الله ومع الخلق؛ فإن نكث العهد شيمة المنافقين وأهل الهلاك.
دوام الشكر لله بعد زوال المحن وتفريج الكروب والحرص على الاستقامة في الرخاء.
اليقين بأن المستكبر الناكث لعهده إنما ينكث على نفسه ويستجلب الهلاك لكيانه: {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ}.