بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 676)جامع البيانالطبري٢١/٦٧٦ أن معنى {وَزُخْرُفًا}: ولجعلنا لهم مع تلك الفضة ذهباً ونقوشاً وزينة باهرة؛ فالزخرف في لسان العرب هو: الذهب، وكل زينة ونقش مموه بالذهب يُسمى زخرفاً، {وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ}: وما كل ذلك المذكور من الفضة والذهب والمعارج والسرر والبيوت الفارهة، إلا حظ قليل يسير يمتع به الإنسان في مدة حياته الدنيا الفانية الزائلة، {وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ}؛ أي وجنة الآخرة ونعيمها الخالد محفوظ ومقسوم عند ربك خاصة للذين اتقوا الشرك والمعاصي، لا يشاركهم فيها كافر ولا فاجر.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 236)مصدر غير محدد٧/٢٣٦ عن الحسن البصري وقتادة وابن عباس أن الزخرف هو الذهب؛ سُميت به السورة الكريمة؛ لبيان أن الذهب والفضة وزينة الدنيا لا تزن عند الله شيئاً في ميزان الحقائق.
وقرأ عاصم وحمزة: {لَمَّا} بتشديد الميم على أن (إنْ) نافية و(لما) بمعنى إلا؛ أي: وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا، وقرأ الباقون: {لَمَا} بتخفيف الميم على أن (إنْ) مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة و(ما) صلة مزيدة للتوكيد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تسمية السورة وتتويج محورها الأساس: في هذه الآية ورد لفظ {وَزُخْرُفًا} الذي سُميت به السورة كلها؛ إعلاناً لمقصدها الكلي في إسقاط بريق الزخرف الدنيوي الزائف.
التدرج من الأدنى إلى الأثمن في الزينة:
بدأ بالفضة في السقوف والمعارج والسرر {مِنْ فِضَّةٍ}.
ثم ارتقى إلى الذهب والوشي والزينة الفائقة: {وَزُخْرُفًا}.
ثم حسم القضية بحكم كلي جامع ينسف قيمتها الموهومة: {وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}.
المقابلة الحاسمة بين دار الفناء ودار البقاء: قابل بين المتاع الدنيوي المشترك بين البر والفاجر، وبين نعيم الآخرة المصون المحجوز حصراً للمتقين: {وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير القيمة الوجودية بين المادة والروح: الآية تؤسس لأعظم ميزان قيمي في تاريخ الفكر البشري: الأشياء لا تقاس ببريقها الحسي ولا بندرتها المادية (كالذهب والفضة والزخرف)، وإنما تقاس بخلودها وأثرها في سعادة الإنسان الأبدية؛ فإذا كان الذهب ينتهي بالتراب والخراب، وكان الإيمان والتقوى يورثان الخلود والرضوان، فالعقل الصريح يقضي بأن الإيمان هو الكنز الحقيقي والزخرف هو المتاع الزائل.
الرد على التمييز العنصري والمادي: جعل الآخرة {لِلْمُتَّقِينَ} دون قيد من عرق أو لسان أو ثروة؛ فكل من اتقى الله فاز بالخلود والكرامة، وكل من كفر خسر دنياه وأخراه وإن كان يملك أطنان الذهب.
الحصر والقصر البليغ: في قراءة التشديد {وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ} حصر لجميع مباهج الدنيا في وصف (المتاع) المؤقت الحقير.
إضافة الآخرة إلى الرب المقترن بضمير الخطاب: {عِنْدَ رَبِّكَ} تشريف وتطمين؛ فالرب العظيم الكريم هو الذي أعد دار الآخرة، وعطاؤه هناك لا تبلغه العقول ولا تحصيه الأوهام.
الإشارة التدبرية: الزخرف في لسان العرب فيه معنى التمويه؛ فزخرف الدنيا يغر بظاهره ويخدع ببريقه، وسرعان ما يتلاشى ويترك صاحبه فقيراً مرتهناً بعمله في حفرة القبر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توطين النفس على الاكتفاء والزهد في المظاهر الخادعة وعدم جعل الدنيا أكبر الهم ولا مبلغ العلم.
الجد والاجتهاد في تحقيق التقوى؛ فهي جواز السفر الحصري إلى نعيم الآخرة وكرامة الخلود.
مواساة الفقراء والمستضعفين من أهل الإيمان؛ فما فاتهم من زخرف الدنيا قليل، وما ينتظرهم عند ربهم من النعيم عظيم أبدي.