بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 675)جامع البيانالطبري٢١/٦٧٥ أن هذا معطوف على ما تقدم في وصف ما كان يمكن أن يجعله الله لبيوت الكفار من مظاهر الترف الفاحش لولا خوف الفتنة على الناس؛ أي: ولجعلنا لبيوتهم أبواباً من فضة تغلق وتحفظ، وسرراً من فضة مرتفعة وطيئة يتكئون عليها في مجالسهم متقابلين منعّمين.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 235)مصدر غير محدد٧/٢٣٥ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أن الأبواب والسرر المذكورة هي من الفضة الخالصة أيضاً، والاتكاء عليها كناية عن تمام الراحة والاسترخاء والتمتع بالنعيم المادي البحت.
وأوضح القرطبي أن الاتكاء على السرر من عادات الملوك والأكابر في دورهم ومجالس سلطانهم، فبين الله أنه لولا فتنة الخلق لجعل هذا الملك الصوري مبذولاً لكل كافر لرخصه عند الله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَبْوَابًا}: جمع باب؛ وهي المنافذ التي تغلق على الدور، وتصنع هنا من الفضة.
{سُرُرًا}: جمع سرير؛ وهو المقعد المرتفع الوطيء المعد للجلوس والنوم والاتكاء الملوكي.
{يَتَّكِئُونَ}: الاتكاء: الجلوس متمكناً مستنداً إلى وسادة أو مرفق في راحة ودعة.
{أَبْوَابًا}: معطوف منصوب بالفتحة على سقفاً (أي: لجعلنا لبيوتهم أبواباً من فضة).
{وَسُرُرًا}: معطوف منصوب بالفتحة.
{عَلَيْهَا}: جار ومجرور متعلقان بيتّكئون.
{يَتَّكِئُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة في محل نصب نعت لسرراً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تكامل عناصر البيت المترف الفاره:
السقوف والمعارج للصعود في الآية السابقة: {سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ}.
الأبواب للأمان والحصانة والخصوصية: {أَبْوَابًا}.
السرر الوطيئة للراحة والاتكاء والاسترخاء: {وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ}.
وهذا النظم يرسم النموذج المتكامل لأعلى درجات النعيم السكني المادي في العالم الحسي.
التمهيد لذكر ختام الزينة بالذهب (الزخرف) في الآية التالية: أتم ذكر الفضة في السقوف والأبواب والسرر، ليعطف عليها بالذهب والنقوش (الزخرف).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
بيان ضآلة الملذات الحسية أمام كمال النعيم الأخروي: القرآن يفصل مظاهر الراحة الحسية (الأبواب، والسرر، والاتكاء) ليبين أنها مهما عظمت في الدنيا تظل محكومة بالزوال والمرض والموت، بينما نعيم الآخرة للمتقين سرر مرفوعة دائمة وأبواب مفتحة لا خوف فيها ولا كدر ولا فناء: {جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ}.
إسقاط هيبة أعداء الله من قلوب المؤمنين: عندما يعلم المؤمن أن هذه القصور الفارهة والسرر والأبواب مبذولة عند الله لأحقر خلقه عنده لولا خوف الفتنة، تصغر في عينه مظاهر ترف الكفار ولا يجد في قلبه حسرة على فواتها.
الإيجاز بالعطف: عطف الأبواب والسرر على ما سبق بحذف حرف الجر ومتعلقاته اعتماداً على السياق، وهو من فصيح الإيجاز القرآني.
تصوير هيئة الاتكاء {عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ}: مشهد حي يجسد التراخي والغفلة التي تصيب المستغرق في الترف والنعيم الحسي.
الإشارة التدبرية: الراحة الحقيقية راحة القلب بطمأنينة الإيمان، فكم من متكئ على سرير من فضة وقلبه يحترق بنيران القلق والهموم، وكم من نائم على الحصير وقلبه يرفرف في رياض السكينة والرضا.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عدم التعلق بالمظاهر والرياش الفاخر واقتناء الأثاث التفاخري الذي يورث الكبر والخيلاء.
شكر الله على نعمة السكن والأمان والستر، واستخدام البيوت في طاعة الله وتلاوة كتابه.
الشوق إلى سرر الجنة ونعيمها المقيم الذي لا يبلى ولا يزول.