التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢١/ ٦٥١)مصدر غير محدد٢١/٦٥١ وابن كثير (٧/ ٢٤١)مصدر غير محدد٧/٢٤١ والسعدي (ص ٧٦٨)مصدر غير محدد٧٦٨: هل ينتظر هؤلاء المشركون المكذبون المعاندون الغارقون في جدلهم وأهوائهم إلا قيام القيامة ومجيء الساعة فجأة على حين غفلة منهم وهم لا يشعرون باقترابها ولا يتوقعون نزولها؛ فإذا فاجأتهم انقطعت معاذيرهم وحل بهم العذاب الخالد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
{يَنْظُرُونَ}: النظر هنا بمعنى الانتظار والترقب، كقوله تعالى: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً}.
{بَغْتَةً}: فجأة على غير ترقب ولا ميعاد، تفاجئهم في غمرة لهوهم.
{لَا يَشْعُرُونَ}: الشعور: إدراك الشيء بحاسة المشاعر الخفية؛ أي وهم غافلون لا يخطر ببالهم دنوها.
الإعراب الدقيق:
{هَلْ}: حرف استفهام إنكاري يتضمن معنى النفي (أي: ما ينظرون).
{يَنْظُرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء مفرغ.
{السَّاعَةَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{أَنْ تَأْتِيَهُمْ}: أن: مصدرية ناصبة، تأتيهم: فعل مضارع منصوب بالفتحة، والفاعل مستتر تقديره هي يعود على الساعة، والهاء مفعول به، والميم للجمع، والمصدر المؤول {أَنْ تَأْتِيَهُمْ} في محل نصب بدل اشتمال من {السَّاعَةَ}.
{بَغْتَةً}: مصدر في موضع الحال المنصوبة، أو مفعول مطلق لفعل محذوف.
{وَهُمْ}: الواو حالية، هم: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{لَا}: نافية مهملة.
{يَشْعُرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} في محل نصب حال من ضمير المفعول في {تَأْتِيَهُمْ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الرجوع إلى توبيخ مشركي مكة: بعد أن استعرض السياق قصة المسيح وتفرق الأحزاب ووعيد الظالمين بالعذاب الأليم، عاد الخطاب فجأة إلى مشركي مكة والمنكرين للبعث ليفاجئهم بالسؤال المروع: ما الذي ينتظرونه في هذا التمادي والجدل؟ هل ينتظرون إلا القيامة لتباغتهم وهم في غفلتهم؟!
التقريع الصارم: كشف تفاهة الموقف المعاند؛ فالمكذب يسوف التوبة ويتشاغل بالجدل حتى يهجم عليه الموت أو تقوم القيامة وهو غافل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك عقلية التسويف والغفلة:
الإنسان المغرور بسلامة بدنه ودوام ماله وزخرف دنياه يظن أن الأيام ممتدة له بلا نهاية، وينسى أن القيامة تأتي بغتة؛ وإذا جاءت بغتة فلا مجال لتدارك ما فات ولا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل.
الحكمة من مباغتة القيامة ومباغتة الموت: إخفاء وقت الساعة ومباغتتها للبشرية أعظم دافع عقلي ونفسي لليقظة الدائمة والاستعداد المستمر؛ فلو علم الإنسان وقت موته أو وقت القيامة لسوف وتجرأ على المعاصي حتى يقرب الأجل.
الاستفهام الإنكاري المتضمن للنفي والقصر: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ}؛ نفي الانتظار المفيد لتوبيخهم على غفلتهم؛ إذ ليس بعد وضوح البراهين إلا القيامة التي تحسم كل خلاف وتكشف الحقائق.
تراكب الأحوال لتهويل المباغتة: مجيء {بَغْتَةً} حالاً، ثم عطف الحال الجملية {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}، للدلالة على أقصى درجات الذهول والمباغتة حين تنزل الصاعقة على الغافل وهو مستغرق في دنياه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
محاربة داء الغفلة والتسويف: الغفلة نوم القلب؛ والواجب على المؤمن أن يظل على حذر واستعداد دائم للقاء الله، مقتدياً بتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» (رواه البخاري).
استحضار هول المباغتة: تذكر المباغتة يورث المسارعة إلى رد المظالم والتوبة النصوح والاستكثار من العمل الصالح قبل فوات الأوان.