التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري في جامع البيان (٢١/ ٦٦٤)مصدر غير محدد٢١/٦٦٤، وابن كثير في تفسيره (٧/ ٢٤٦)مصدر غير محدد٧/٢٤٦، والقرطبي (١٦/ ١١٧)مصدر غير محدد١٦/١١٧: بعد أن وصف الله تعالى نعيم المتقين وإكرامهم في الجنة، أعقبه ببيان مصير أهل الشرك والكفر والتكذيب الذين استكبروا عن عبادة الله وآثروا زخرف الدنيا الفاني؛ فأخبر سبحانه أن المجرمين مخلدون في عذاب جهنم خلوداً أبدياً سرمداً لا انقطاع له ولا زوال.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{الْمُجْرِمِينَ}: جمع مجرم، وهو من ارتكب الجُرم والذنب العظيم وأصر عليه؛ والمراد هنا المشركون الكفار المكذبون برسل الله.
{جَهَنَّمَ}: اسم لدار العذاب، قيل من الجهومة وهي الغلظ والظلمة وتجهم الوجه، وقيل من بئر جهنام أي بعيدة القعر.
{خَالِدُونَ}: الخلود: اللبث الطويل الدائم الذي لا نهاية له.
الإعراب الدقيق:
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب مبني على الفتح.
{الْمُجْرِمِينَ}: اسم إن منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم.
{فِي عَذَابِ}: جار ومجرور متعلقان بالخبر (خالدون) أو بمحذوف حال، وهو مضاف.
{جَهَنَّمَ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث.
{خَالِدُونَ}: خبر إن مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة البلاغية المعجزة بين الفريقين: القرآن الكريم مثانٍ تُثنى فيه المعاني وتتقابل؛ فلما أطنب في وصف جزاء المتقين وأزواجهم والحبور والصحاف الذهبية والأكواب وما تشتهيه الأنفس ولذائذ الأعين والخلود في دار الكرامة {وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، قابله مباشرة بذكر جزاء الكافرين وإقامتهم الدائمة في قعر الجحيم {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ}.
انسجام الوصف مع مقصد السورة: الذين غرتهم زينة الحياة الدنيا وزخرفها الزائل واعتدوا بها معياراً للحق، انتهت رحلتهم إلى عذاب جهنم الخالد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إثبات أبدية عذاب الكفار في نار جهنم:
عقيدة أهل السنة والجماعة وإجماع سلف الأمة منعقد على أن عذاب الكفار المشركين في نار جهنم أبدي سرمدي لا ينقطع ولا يفنى؛ كما قال تعالى هنا: {خَالِدُونَ}، وكما قال: {لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا}.
العدالة الإلهية في خلود العذاب: الكافر نوى وعزم في قرارة نفسه على الكفر والشرك ما دام حياً، فلو خُلّد في الدنيا ملايين السنين لظل على كفره، فجوزي على نيته الدائمة وإصراره الباطل بالخلود الدائم في العذاب.