بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 658)جامع البيانالطبري٢١/٦٥٨ أن الله تعالى يعلن سنة تاريخية واجتماعية عامة مطردة في صراع الحق والباطل؛ فكما قال لك مشركو قريش هذه المقالة وتمسكوا بتقليد الآباء، فكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية وأمة من الأمم الخالية من نبي ينذرهم عذاب الله، إلا تصدى له أهل الترف والبطر والرياسة والثروة، فقالوا معارضين للحق ومستكبرين: إنا وجدنا آباءنا على طريقة ودين، وإنا على منهاجهم وخطاهم مقتدون لا نتحول عنه!
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 230)مصدر غير محدد٧/٢٣٠ أن تخصيص (المترفين) بالذكر هنا يكشف رأس حربة الفساد؛ لأن الترف الدنيوي يورث البطر وقسوة القلب، ويجعل المستكبرين يخشون على مكتسباتهم الطبقية ومصالحهم الزائلة من دين الحق القائم على العدل والمساواة.
ولاحظ ابن عاشور اللطيفة البيانية البديعة بين ختام الآية السابقة وهذه الآية:
في الآية (22) حكى قول كفار مكة: {وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ}؛ لأنهم كانوا يزعمون لأنفسهم نوع هداية وعلم وفلسفة.
وفي الآية (23) حكى قول المترفين الأولين: {وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ}؛ لأن المترف المستغرق في شهواته لا يعنيه البحث عن الهداية وإنما غايته الجمود المحض والاقتداء التام بحفظ الأمر الواقع.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مُتْرَفُوهَا}: جمع مترف، والإتراف: التوسع في النعمة واللذة حتى يفسد الطبع ويبطر صاحبه، والمترفون هم أهل الرفاهية والرياسة والمال الذين أطغاهم ترفهم.
{مُقْتَدُونَ}: مقتفون ومتبعون لغيرهم في العمل والمسلك.
الإعراب:
{وَكَذَلِكَ}: الواو استئنافية، الكاف حرف جر، اسم الإشارة مجرور متعلق بمحذوف مفعول مطلق عامله أرسلنا؛ أي: وإرسالاً مثل ذلك الإرسال أرسلنا.
{نَذِيرٍ}: مجرور لفظاً منصوب محلاً مفعول به لأرسلنا.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء ملغاة.
{قَالَ}: فعل ماض مبني على الفتح.
{مُتْرَفُوهَا}: فاعل مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء مضاف إليه، وجملة الفعل والفاعل في محل نصب حال من نذير أو قرية.
{إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ}: مقول القول وإعرابها كما سلف.
{وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ}: معطوف، و{مُقْتَدُونَ} خبر إن مرفوع بالواو.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الكشف الاجتماعي والطبقي عن جذور معارضة الرسل: يربط النظم القرآني بين الشرك وبين الظاهرة الاجتماعية الطبقية؛ فالمترفون هم أصحاب المصلحة في استبقاء الجهل والشرك للحفاظ على نفوذهم وامتيازاتهم واستعباد الناس.
التسلية الجامعة للرسول صلى الله عليه وسلم: بيان أن هذه العداوة وتلك الحجج المتهافتة ليست عارضاً محلياً في مكة، بل هي سنة التاريخ البشري في مواجهة كل مصلح ونذير.
دقة الفاصلة القرآنية: استبدال {مُهْتَدُونَ} بـ {مُقْتَدُونَ} لتصوير الانحدار السلوكي للترف؛ فالترف يقود إلى الجمود والتبلد والاقتداء البليد دون تفكير.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك التحالف الشرير بين الترف والطغيان والجمود الموروث: الآية تؤصل حقيقة اجتماعية وسننية كبرى: الطبقات المترفة المستكبرة هي ألد أعداء الإصلاح والتغيير في كل عصر؛ لأن الرسالات السماوية تطالب بالعدل، وتحرم أكل أموال الناس بالباطل، وتساوي بين العبد وسيده في المحراب والقانون، وهذا ما يأباه المترفون المتمسكون بالأمر الواقع الجاهلي.
رد حجة الأكثرية والمكانة: المترفون يحتجون بمكانتهم الاجتماعية وكثرة ثرواتهم كأنها دليل على صواب مذهبهم، والقرآن يسقط هذا الربط ويبين أن الترف غالباً ما يورث الفسق والعمى عن الحق: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا}.
التعبير بلفظ {مُتْرَفُوهَا}: إسناد القول والتعطيل للمترفين لبيان أن النعمة إذا خلت من الشكر والتقوى تحولت إلى داء يفسد الفطرة ويخمد نور البصيرة.
صيغة الحصر {مَا أَرْسَلْنَا... إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا}: لتوكيد العموم والاستيعاب التام واستقرار هذه السنّة الكونية في صراع الدعوات.
الإشارة التدبرية: الحذر من الترف الزائد والمبالغة في الرفاهية والملذات؛ فإنها تثقل الروح وتقسي القلب وتصرفه عن تذوق حلاوة الإيمان والاستجابة لأوامر الشريعة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إدراك الدعاة لطبيعة المعركة مع قوى الترف والاستكبار المالي والإعلامي التي تحارب الفضيلة والدين.
تربية النفس والمجتمع على الزهد والتواضع وعدم الركون إلى الدنيا وزينتها الفانية.
الثقة التامة بأن غلبة المترفين صولة مؤقتة، وأن العاقبة للمتقين المتمسكين بوحي الله.