بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 702)جامع البيانالطبري٢١/٧٠٢ أن الله تعالى يكشف الطبيعة الاستبدادية لفرعون والعلة النفسية والاجتماعية في خضوع قومه له؛ فاستخف فرعون عقول قومه القبط وسفه أحلامهم واستضعف مداركهم بتلك التمويهات والدعاوى الباطلة والمظاهر الزائفة، فحملهم على الجهل والضلال، فأطاعوه في تكذيب موسى ومعاداة الحق، {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}؛ أي خارجين عن طاعة الله، مائلين عن سنن الفطرة والعدل، فاستحقوا الخذلان والتبعية العمياء للطاغوت.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 244)مصدر غير محدد٧/٢٤٤ أن الاستخفاف يكون بالإرهاب والترغيب والتجهيل؛ فركب فرعون رؤوسهم واستحقر عقولهم فأطاعوه فيما دعاهم إليه من الشرك والضلال، وما كان لهم أن يطيعوه لولا أن الفسق قد ران على قلوبهم فعطل إدراكهم للحق.
وأكد القرطبي أن الآية تقرر أصلاً سياسياً واجتماعياً عظيماً: الطاغية لا يستبد بمفرده، وإنما يجد بيئة قابلة للاستخفاف من الجماهير الفاسقة المستسلمة للأمر الواقع.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَاسِقِينَ}: الفسق: الخروج عن أمر الله وطاعته وعن مقتضى الفطرة والعقل السليم.
الإعراب:
{فَاسْتَخَفَّ}: الفاء عاطفة تفيد الترتيب والسببية، فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على فرعون.
{قَوْمَهُ}: مفعول به منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه.
{فَأَطَاعُوهُ}: الفاء عاطفة للتعقيب، فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والهاء مفعول به.
{إِنَّهُمْ}: إن واسمها.
{كَانُوا}: فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه.
{قَوْمًا}: خبر كانوا منصوب بالفتحة.
{فَاسِقِينَ}: نعت لقوماً منصوب بالياء، وجملة كانوا واسمها وخبرها خبر إن، والجملة مستأنفة تعليلية لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف المعادلة الجدلية بين الطاغية والرعية: الآية تعلل كيف انطلت تلك الحجج السخيفة (ملك مصر والأنهار وأساور الذهب) على أمة بأسرها؛ العلة هي (الاستخفاف الممنهج) من الحاكم، و(القابلية للاستحمار والفسق) عند الرعية.
سرعة التعقيب بالفاء مرتين:
{فَاسْتَخَفَّ}: ترتبت على خطابه الزائف المليء بالغرور.
{فَأَطَاعُوهُ}: ترتبت فوراً على الاستخفاف؛ لبيان سرعة خضوع الجماهير المغيبة لسطوة البروباغندا الفرعونية.
التعليل الحاسم بـ {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}: لتبرئة ساحة القدر من الظلم؛ فالطاعة لم تكن جبراً وقهراً لا خيار فيه، بل كانت ثمرة خروجهم الذاتي عن طاعة الله وفساد قلوبهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التحليل السياسي والاجتماعي للاستبداد (علم علم الاجتماع وسنن الطغيان): الآية تقدم أعمق تشريح نفسي واجتماعي للاستبداد في تاريخ الفكر البشري: الطغيان صناعة مشتركة بين المستبِد والمستبَدين؛ فالمستبد يستعمل التجهيل وتزييف الوعي والإغراء المادي والترهيب (الاستخفاف)، والرعية إذا فقدت التقوى والإيمان والكرامة واستسلمت للشهوات (الفسق) أطاعت الطاغية وسارت في ركابه إلى الهلاك؛ فالشعوب الفاسقة هي التي تصنع فراعنتها.
مسؤولية الشعوب التابعة في الجريمة: القرآن لا يعفي الرعية المطيعة للظالم من العقوبة والمسؤولية الأخلاقية والجنائية؛ لأنهم هم أدوات الطغيان وجنوده الذين يبطش بهم: {فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ}.