بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 638)جامع البيانالطبري٢١/٦٣٨ أن من دلائل ربوبية الله وعظمته: إنزال المطر من السحاب بمقدار معلوم وميزان دقيق فيه صلاح العباد والبلاد؛ لا طوفاناً مغرقاً مدمراً، ولا نزراً شحيحاً لا ينبت زرعاً، {فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا}؛ أي فأحيينا بذلك الماء أرضاً يابسة قاحلة هامدة، فأخرجنا منها أصناف النبات والثمار والبهجة بعد موتها، {كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ}؛ أي كما أحيينا هذه الأرض الميتة بقطرات الماء فنشرنا نباتها، كذلك يحييكم الله ويخرجكم من قبوركم أحياء يوم القيامة بعد أن صرتم رفاتاً وتراباً.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 224)مصدر غير محدد٧/٢٢٤ أن هذا من أعظم الأدلة العقلية الحسية المتكررة في القرآن على إمكان البعث والنشور وحتميته؛ فالقادر على إحياء الأرض الهامدة قادر بالأولى على إحياء الموتى وإخراجهم للحساب.
وذكر القرطبي أن قوله: {بِقَدَرٍ} يجمع حكمتين: حكمة التقدير في الكمية الكافية دون إفساد، وحكمة التقدير في الزمان والمكان المناسبين لحاجة الخلق.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{كَذَلِكَ}: الكاف حرف تشبيه وجر، {ذَلِكَ}: اسم إشارة مجرور متعلق بمحذوف مفعول مطلق عامله تخرجون؛ أي: خروجاً مثل ذلك الخروج.
{تُخْرَجُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل (وقرئ بفتح التاء تَخرُجون).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الاستدلال الحسي المشاهد على القضية الغيبية الكبرى: بعد تقرير نعم الاستقرار والتنقل في الأرض، عطف بإنزال الماء وإحياء النبات؛ ليربطه مباشرة بقضية البعث والنشور {كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ}.
الالتفات الإعجازي من الغيبة إلى المتكلم المعظم: قال في مطلع الآية: {وَالَّذِي نَزَّلَ} بضمير الغيبة، ثم قال: {فَأَنْشَرْنَا} بنون العظمة؛ لإبراز التدخل المباشر للقدرة الإلهية المطلقة في إفاضة الحياة على الموات، وإثبات أن الإحياء فعل إلهي جليل.
التعبير بـ {بِقَدَرٍ}: إبراز لصفة العلم والحكمة في إدارة دورة المياه الكونية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
القياس العقلي الأصولي لإثبات البعث: القرآن يقرر قياس الشاهد على الغائب؛ فالمشركون ينكرون خروج الأجساد بعد فنائها، والقرآن يريهم كل عام أرضاً ميتة جرداء رمضاء لا أثر للحياة فيها، فإذا نزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج؛ فالقادر على خلق الحياة في خلايا النبات الميتة قادر على إعادة تركيب وتخليق خلايا الإنسان؛ فالعلة واحدة وهي الإحياء بعد الموت.
الدقة الهيدرولوجية في لفظ {بِقَدَرٍ}: العلم الحديث يثبت أن كميات التبخر والتساقط في الغلاف الجوي للأرض ثابتة بحساب دقيق ومنضبط (الميزان المائي العالمي)، فلو زادت نسب الأمطار الإجمالية لغرقت القارات، ولو نقصت لتصحرت الأرض؛ فالتنزيل بقدر آية علمية مبهرة تشهد بكمال التقدير الإلهي.