بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 698)جامع البيانالطبري٢١/٦٩٨ أن فرعون بعد أن نكث عهده وزال عنه البلاء، استخفه الكبر والبطر، فجمع قومه ونادى فيهم متبجحاً بسلطانه وثروته وزخرف دنياه: {قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ}: سلطانها وخزائنها ومدائنها وسيادتها، {وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي}: أنهار النيل وتفرعاته العذبة تجري تحت قصوري وبساتيني بأمري وتدبيري، {أَفَلَا تُبْصِرُونَ}: عظم شأني وسعة ملكي وفخامة سلطاني مقابل فقر موسى وضعفه؟!
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 243)مصدر غير محدد٧/٢٤٣ عن قتادة أن أنهار مصر كانت تجري من تحت بساتين فرعون وقصوره، فافتخر بها واستعلى بنعمة الله على عباد الله، فكان جزاؤه العادل أن أجرى الله ماء البحر من فوقه فأغرقه وأهلكه، وعومل بنقيض قصده.
وذكر القرطبي أن فرعون أراد بهذا النداء استمالة دهماء قومه وإبهارهم بالبهرج المادي والملك الزائل؛ ليصرفهم عن النظر في المعجزات الإلهية التي جاء بها موسى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مُلْكُ مِصْرَ}: السيادة التامة على أرض مصر وخزائنها وخيراتها.
{الْأَنْهَارُ}: روافد نهر النيل العظيم وجداوله التي تسقي الجنان والدور.
{مِنْ تَحْتِي}: من تحت قصوري ومجالسي، أو من تحت أمري وسلطاني وقبضتي.
الإعراب:
{وَنَادَى}: الواو عاطفة أو استئنافية، فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر.
{تُبْصِرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، وجملة مقول القول كلها في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تجسيد فلسفة (الزخرف) في أعتى صورها التاريخية: هذه الآية هي التطبيق العياني لعنوان السورة ومحورها؛ فرعون يمثل قمة الاستعلاء بالزخرف المادي والملك الدنيوي في مواجهة الوحي والتقوى.
أسلوب التقرير الإبهاري: استعمل الاستفهام التقريري {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} والواو الحالية لاستحضار مشهد الأنهار الجارية لخلب عقول رعيته وإسقاط حجج موسى بميزان القوة المادية.
التمهيد لمقارنته الظالمة في الآية التالية: مهد بهذا التبجح لمقارنة نفسه بموسى: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك الخطاب الديماغوجي للطغاة: الآية تفضح الآلية الإعلامية التي يستخدمها المستكبرون: العجز عن منازعة الفكرة النبيلة والبرهان العقلي، فيعمد الطاغية إلى استعراض القوة المادية والمشاريع والقصور والثروة ليغيب وعي الجماهير ويصرفهم عن جوهر الصراع بين الحق والباطل.
المقارنة بين مجرى النعمة ومجرى النقمة: افتخر فرعون بأن الأنهار تجري من تحته، فكان جزاؤه الإلهي العادل أن أجرى الله ماء البحر الأحمر من فوق رأسه حتى غرق وهلك؛ ليتبين للعقلاء أن ما يفتخر به الإنسان من نعم الدنيا قد يكون هو ذاته سبب هلاكه إذا كفر ببارئه.