بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 631)جامع البيانالطبري٢١/٦٣١ أن معنى الآية: أنترك تذكيركم بالقرآن ودعوتكم إلى الهدى، ونعرض عنكم إعراضاً فلا نأمركم ولا ننهاكم لأجل إسرافكم وتكذيبكم؟ كلا! بل سنمضي في تذكيركم وإقامة الحجة عليكم وإن كنتم قوماً مسرفين متجاوزين الحد في الشرك والمعاصي؛ لأن رحمة الله وحكمته تأبى ترك العباد هملاً دون بيان ونذارة.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 221)مصدر غير محدد٧/٢٢١ عن قتادة رحمه الله قال في هذه الآية: "والله لو أن هذا القرآن رُفِع حين ردته أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله تبارك وتعالى عاد بفضله ورحمته فكرره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة أو ما شاء الله من ذلك".
وذكر القرطبي في قراءات الآية أن (أَنْ كُنْتُمْ) قرئت بفتح الهمزة (أَنْ) على التعليل؛ أي: لأن كنتم مسرفين، وقرئت بكسرها (إِنْ كُنْتُمْ) على الشرط؛ أي: إن كنتم مسرفين أفنضرب عنكم الذكر؟ والاستفهام للإنكار والنفي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَفَنَضْرِبُ}: أصل ضرب الذكر: تسييره وإبعاده، يقال: ضربت عنه صفحاً إذا أضربت عنه وأعرضت وتجاوزت.
{الذِّكْرَ}: القرآن والموعظة الإلهية المذكرة بالله وبشرعه.
{صَفْحًا}: مصدر صَفَحَ؛ وهو الإعراض والترك والجانب، من صفحة العنق أو صفحة الوجه؛ كأنه ولى ظهره وصفحة وجهه معرضاً.
{مُسْرِفِينَ}: الإسراف: مجاوزة الحد في كل شيء، والمراد به هنا الإسراف في الشرك والكفر والتكذيب.
الإعراب:
الهمزة للاستفهام الإنكاري الإبطالي.
الفاء عاطفة على مقدر؛ أي: أنلغي تذكيركم فنضرب.
{نَضْرِبُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره نحن.
{عَنْكُمُ}: جار ومجرور متعلقان بنضرب.
{الذِّكْرَ}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{صَفْحًا}: مفعول مطلق منصوب لفعل محذوف، أو مفعول لأجله، أو حال منصوبة بمعنى صافحين معرضين.
{أَنْ}: حرف مصدري ونصب (أو شرطية إذا قرئت بالكسر).
{كُنْتُمْ}: كان واسمها.
{قَوْمًا}: خبر كان منصوب بالفتحة.
{مُسْرِفِينَ}: نعت لقوماً منصوب بالياء، والمصدر المؤول (أن كنتم) في محل جر بحرف جر محذوف؛ أي: لأن كنتم مسرفين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبراز فيض الرحمة الإلهية وإصرار الدعوة: بعد أن بيّن علو القرآن وحكمته، رد على استبعاد المشركين للرسالة وعنادهم؛ فأنكر عليهم ظنهم أن كفرهم سيدفع الله إلى سلب نعمته وتوقف نذارته.
الاستفهام الإنكاري التوبيخي: جاء الاستفهام بأسلوب تقريعي حازم يكشف أن المشركين بمسلكهم يستحقون الحرمان، ولكن فضل الله وسابق رحمته اقتضت مواصلة البيان وقطع الأعذار.
التمهيد لبيان مصارع المسرفين الأولين: لما ذكر إسرافهم، ذكّر في الآيات التالية بأن الأمم السابقة كانت تسرف وتستهزئ بالرسل، فأهلكهم الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرد على من يظن أن انحراف البشرية يسقط التكليف: الآية تقرر أن استكبار المعاندين لا يبرر إيقاف الدعوة وسحب منهج الإصلاح؛ فالأمة الفاسدة أحوج ما تكون إلى النور والتذكير، وواجب الرسل والدعاة الاستمرار في البيان حتى لو واجهوا أعتى صور الإسراف والجحود.
البرهان على سعة الرحمة الربانية: لو حاسب الله خلقه على أول تكذيب واستجاب لعنادهم بقطع الوحي لهلكت البشرية في ظلمات الوثنية؛ فاستمرار الوحي برهان على الحلم الإلهي المطلق.
الاستعارة التمثيلية البديعة في {نَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا}: شبه إبعاد الوحي عنهم وإعراض المربي عن تأديب ولده بضرب الصفحة والالتفات بالجيد؛ وهو من أفصح تراكيب كلام العرب.
الاستفهام الإنكاري المتضمن معنى النفي: لن نفعل ذلك ولن نترككم سدى بلا نذارة تقيم الحجة وتبصر المستجيبين.
الإشارة التدبرية: كم يحلم الرب الكريم على عباده! يعصونه ويسرفون في كفران آلائه، وهو سبحانه ينزل عليهم آياته ويفتح لهم أبواب رحمته وتوبته في كل صباح ومساء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اقتباس خلق الصبر والمصابرة في الدعوة إلى الله؛ فلا يجوز للداعية أن ييأس من صلاح الناس أو يضرب عن تذكيرهم لفرط إسرافهم وفسادهم.
التوبة السريعة من الإسراف بجميع أشكاله؛ فإن استمرار النعم والمواعظ مع الإصرار على الإسراف استدراج وبلاء.
شكر نعمة بقاء القرآن محفوظاً بحفظ الله بين أيدينا، والاقتراب منه مدارسة وتطبيقاً.