بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 645)جامع البيانالطبري٢١/٦٤٥ أن معنى الآية: ونسب المشركون الجاحدون إلى الله تعالى من خلقه وعباده ولداً وشريكاً؛ حيث زعموا أن الملائكة بنات الله، فجعلوا له من عباده جزءاً؛ لأن الولد جزء من والده وبضعة منه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 226)مصدر غير محدد٧/٢٢٦ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك أن {جُزْءًا} هنا يعني: عدلاً؛ أي نصيباً وشريكاً وولداً، وقال الزجاج: الجزء في كلام العرب: الإناث، يقال: أجزأت المرأة إذا ولدت الإناث، والمعنيان متقاربان.
وقوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ}: أي إن هذا الإنسان المشرك لشديد الجحود لنعم ربه، مظهر لكفرانه بجرأته على نسبة النقص والولد لمن تفرد بالكمال والتنزه عن الصاحبة والولد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{جُزْءًا}: الجزء: النصيب والقطعة من الشيء، ويطلق على الولد؛ لأن الولد بضعة وجزء مقتطع من والديه.
{كَفُورٌ}: صيغة مبالغة من الكفر؛ أي عظيم الكفران والجحود.
{مُبِينٌ}: بيّن كفره وظاهر جحوده لا يخفى على أحد.
الإعراب:
{وَجَعَلُوا}: الواو استئنافية، فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
{لَهُ}: جار ومجرور متعلقان بجعلوا.
{مِنْ عِبَادِهِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال مقدمة من جزءاً، والهاء مضاف إليه.
{جُزْءًا}: مفعول به منصوب بالفتحة لجعلوا.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{الْإِنْسَانَ}: اسم إن منصوب بالفتحة (والمراد به الكافر المعاند).
{لَكَفُورٌ}: اللام المزحلقة للتوكيد، {كَفُورٌ}: خبر إن مرفوع بالضمة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقابل الصادم بين آلاء الربوبية وجحود الشرك: بعد أن عدد النعم العظيمة (تمهيد الأرض، والسبل، وإنزال الماء بقدر، وخلق الأزواج، وتسخير الفلك والأنعام)، واجه كفران المشركين الذين قابلوا هذه الآلاء بجعل الولد لله ونسبة الشريك إليه!
التعبير بـ {عِبَادِهِ}: في هذه الإضافة تنبيه على بطلان دعواهم؛ فالملائكة عباد مملوكون مقهورون، والعبودية تنافي البنوة والشراكة منافاة قطعية.
ختام الآية بـ {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ}: تذييل تقريعي يفضح شدة جحود هذا الإنسان الجاهل بربه المنكر لعظمته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الاستحالة العقلية للبنوة في حق واجب الوجود: الولد يقتضي المشابهة للوالد وانفصال جزء من ذاته، ويقتضي وجود الزوجة والصاحبة والحاجة إلى بقاء النسل، وكل هذه صفات نقص وتغير وتركيب تستحيل قطعاً في حق الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الغني المطلق، الذي لا يتجزأ ولا يتناهى ولا يشبهه شيء من خلقه.
دحض فرية (الملائكة بنات الله): كفار قريش زعموا أن الله صاهر سروات الجن فولدوا الملائكة، فأكذبهم القرآن وبين أن الملائكة عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.