بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 649)جامع البيانالطبري٢١/٦٤٩ أن معنى الآية الكريمة: أيجعلون لله ولداً وشريكاً من صفته وطبيعته أنه يربى ويُنشأ في الزينة والحلي واللباس لتجبر نقصه وضعف جبلته، وإذا جاء وقت الخصام والمناظرة وإقامة الحجج عند المخاصمة لا يقدر على الإبانة والإفصاح عن حجته لفرط ضعفه وحيائه وخوره؟ أهذا الضعيف العاجز يليق بنسبته إلى رب العزة والجلال؟!
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 227)مصدر غير محدد٧/٢٢٧ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وسفيان الثوري أن المراد بـ {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ} هي: المرأة؛ فإنها مجبولة على النقص الفطري الذي تجبره بالحلي والزينة منذ طفولتها، فإذا خاصمت ونازعت لم تكن مبينة لحجتها لغلبة الحياء والعاطفة وضعف البيان في مجامع الخصوم.
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يُنَشَّأُ}: التنشئة: التربية والإنماء والإصلاح من الصغر.
{الْحِلْيَةِ}: ما يُتحلى به ويُتزين به من الذهب والفضة واللؤلؤ والحرير.
{الْخِصَامِ}: المخاصمة والمنازعة والمحاجة في الكلام وإثبات الحقوق.
{غَيْرُ مُبِينٍ}: غير قادر على إبانة حجته وإظهار برهانه بوضوح.
الإعراب:
الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي.
الواو عاطفة على مقدر؛ أي: أجعلوا لله عباده، أومن ينشأ في الحلية جعلوه له؟
{مَنْ}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لفعل محذوف يفسره السياق؛ أي: أتجعلون لله من ينشأ، أو في محل رفع مبتدأ وخبره محذوف.
{يُنَشَّأُ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة، ونائب الفاعل مستتر تقديره هو (يعود على من)، وجملة الصلة لا محل لها.
{فِي الْحِلْيَةِ}: جار ومجرور متعلقان بينشأ.
{وَهُوَ}: الواو حالية، {هُوَ}: مبتدأ.
{فِي الْخِصَامِ}: جار ومجرور متعلقان بغير أو بمبين.
{غَيْرُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، وهو مضاف.
{مُبِينٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة، والجملة الاسمية في محل نصب حال من ضمير الموصول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفصيل علة النقص في الجنس المنسوب إلى الله: بيّن في الآية السابقة سواد وجوههم عند ولادة الأنثى، وفصّل في هذه الآية الأسباب الفطرية التي تدعوهم إلى كراهتها في بيئتهم القبلية المقاتلة (الحاجة إلى الزينة لجبر النقص، والضعف في مقارعة الخصوم في المحافل).
الاستدلال بطبيعة الخلقة على نفي الألوهية والبنوة: الكائن المفتقر إلى الزينة المستور بالعجز في المجامع لا يصلح أن يكون شريكاً أو ولداً لخالق الأكوان الذي لا يفتقر إلى شيء وله الحجة البالغة.
التمهيد للرد على عقيدة (أنوثة الملائكة): الآية مهدت للآية التاسعة عشرة بنقض فكرة الأنوثة برمتها قبل الدخول في خصوص دعواهم في الملائكة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير النظرة الإسلامية للمرأة وعدم تحقيرها: قد يتوهم واهم أن الآية تحط من شأن المرأة، والتحقيق الأصولي: أن الآية تصف واقع التكوين الفطري والوظيفة الخلقية؛ فالمرأة جُبلت على الرقة والعاطفة والجمال والتحلي؛ لتؤدي وظيفة الأمومة والسكن والرحمة، ولم تخلق للمصارعة والخشونة ومنازلة الخصوم في المعارك، وهذا كمال في وظيفتها وليس عيباً فيها، وإنما العيب والسفه هو في نسبة هذا المخلوق الرقيق المفتقر المجبول على الضعف ليكون جزءاً وولداً لرب العالمين المنزه عن المادة والنقص.
هدم معايير الجاهلية بسلاحهم: القرآن يحاجج كفار قريش ببيئتهم التي كانت تعتمد على الشجاعة والبيان والمبارزة؛ فأنتم ترون الضعف في الخصام عجزاً، فكيف تنسبون لمن هذا وصفه البنوة للإله القاهر؟