بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 651)جامع البيانالطبري٢١/٦٥١ أن كفار قريش ومشركي العرب قالوا: الملائكة بنات الله، فوصفوا جند الله ورسله المكرمين بأنهم إناث، فرد الله عليهم باطلاً مستعلناً: {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ}؛ أي أحضروا خلق الله للملائكة حين خلقهم فعاينوا ورأوا أنهم خلقوا إناثاً؟ وهذا استفهام توبيخي يفيد القطع بأنهم لم يشهدوا ذلك ولا علم لهم به، بل هو رجم بالغيب وافتراء محض، ثم توعدهم الله بالجزاء الصارم: {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ}؛ أي ستكتب الملائكة الحفظة هذه الشهادة الباطلة في صحائف أعمالهم، وسيسألون عنها ويحاسبون عليها يوم القيامة أشد الحساب.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 228)مصدر غير محدد٧/٢٢٨ أن نافعاً وابن كثير وابن عامر قرؤوا: {عِنْدَ الرَّحْمَنِ} بالظرفية، وقرأ الباقون: {عِبَادُ الرَّحْمَنِ} بالإضافة؛ وكلا المعنيين عظيم؛ فهم عباد مقربون مكرمون عند ربهم في الملأ الأعلى، فكيف يجترئ هؤلاء الجهلة على وصفهم بالأنوثة؟
وقرأ نافع وهشام: {أُشْهِدُوا خَلْقَهُمْ} بضم الهمزة وسكون الشين مبنياً للمجهول؛ أي: أأحضرهم الله خلق الملائكة وأطلعهم عليه؟
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{عِبَادُ}: جمع عبد، والمراد بهم الملائكة الخاضعون المسبحون بحمد ربهم.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل نصب نعت للملائكة.
{هُمْ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{عِبَادُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، وهو مضاف، {الرَّحْمَنِ}: مضاف إليه مجرور (وجملة المبتدأ والخبر صلة الموصول لا محل لها).
{إِنَاثًا}: مفعول به ثانٍ لجعلوا منصوب بالفتحة.
{أَشَهِدُوا}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، فعل ماض وفاعله، {خَلْقَهُمْ}: مفعول به منصوب، والهاء مضاف إليه.
{سَتُكْتَبُ}: السين للاستقبال، فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة.
{شَهَادَتُهُمْ}: نائب فاعل مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه.
{وَيُسْأَلُونَ}: الواو عاطفة، فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل، وجملة الوعيد مستأنفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف الشبهة النوعية الخاصة: بعد أن ناقش في الآيات السابقة فكرة نسبة البنات لله إجمالاً، واجه هنا الدعوى المحددة التي كان يعتقدها مشركو العرب؛ وهي الزعم بأن الملائكة بنات الله.
الاحتجاج بأسلوب الإشهاد والمعاينة: طالبهم بالدليل التجريبي الحسي: هل حضرتم وقت الخلق؟ فلما انتفى الحضور الحسي وانتفى الدليل النقلي، ثبت بطلان دعواهم بالكلية.
الوعيد الحاسم المقترن بالتوثيق: الانتقال من التبكيت بالحجة إلى التهديد بالمساءلة القضائية الأخروية {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ}؛ لبيان أن الكلمات والافتراءات ليست مجرد أقوال عابرة، بل جرائم موثقة تستوجب العقوبة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المنهجية المعرفية الإسلامية (المنهجية المعرفية القرآنية): تؤصل الآية قاعدة عقلية وعلمية عظيمة: القضايا الغيبية لا تُثبت إلا بأحد طريقين:
الخبر الصادق والوحي المعصوم من الخالق: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ}.
فإذا انعدم الحس والوحي، كان القول رجماً بالظن وخرصاً كاذباً، وهو عين الضلال العقلي.
شناعة الافتراء على الملائكة: الملائكة خلق نوراني غيبي كرمهم الله بوصف العبودية، ونفي الغرائز البشرية كالذكورة والأنوثة والشهوة عنهم، فوصفهم بالإناث بهتان لا برهان عليه.
إطلاق لفظ {شَهَادَتُهُمْ} على دعواهم الكاذبة: تهكم بهم؛ كأنهم يدعون شهادة عيانية، والشهادة الزور من أكبر الكبائر.
الإشارة التدبرية: الكلمة أمانة ومسؤولية؛ فكل كلمة تطلقها الألسن مسجلة في صحف لا تضيع: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، فليحذر العاقل مما يكتبه وينطق به.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صيانة المعتقدات الغيبية من الخرافات والتخرصات والأساطير، والاعتماد الحصري على نصوص الوحي المعصومة.
استشعار رقابة الله وكتابة الملائكة للأقوال والأعمال؛ مما يورث ضبط اللسان والمحاسبة الذاتية.