التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري (٢١/ ٦٨١-٦٨٢)مصدر غير محدد٢١/٦٨١ وابن كثير (٧/ ٢٥٢)مصدر غير محدد٧/٢٥٢ والقرطبي (١٦/ ١٢٤)مصدر غير محدد١٦/١٢٤: تبارك وتعالى وتقدس وتنزه وعظمت بركته وكثر خيره وكماله؛ فهو سبحانه المالك الأوحد الذي له ملك السماوات وملك الأرض وملك كل ما بينهما من الخلائق والأفلاك والعوالم، لا شريك له في ملكه ولا منازع في سلطانه، وعنده وحده مفتاح علم الساعة فلا يعلم وقت قيامها نبي مرسل ولا ملك مقرب، وإليه وحده مرجع جميع الخلائق بعد الموت ليحاسبهم ويجزيهم على أعمالهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{تَبَارَكَ}: فعل ماضٍ جامد على وزن تفاعل، مشتق من البركة وهي ثبوت الخير الإلهي ونماؤه واتساعه وعظمته؛ وهو لفظ خاص بجلال الله لا يجوز إطلاقه على غيره قط.
{وَإِلَيْهِ}: الواو عاطفة، إلى: حرف جر، والهاء ضمير متصل في محل جر متعلق بالفعل (ترجعون) وقُدم للحصر.
{تُرْجَعُونَ}: فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الربط العظيم بين كمال الألوهية والملك والعلم والمعاد: هذه الآية جامعة لأصول الدين الكبرى: إثبات عظمة الخالق بالبركة المطلقة، وعموم ملكه التام للسماوات والأرض، واستئثاره بعلم الغيب الأكبر (الساعة)، وحتمية الجزاء بالرجوع إليه.
التناسب مع مقصد السورة في تحطيم ملك مصر وزخرف الدنيا: قارن بين قول فرعون: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} وبين هذا الإعلان الملكي الأعظم: {وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا}؛ ليسقط ملك فرعون وزخرفه إلى جوار ملك مالك الملك سبحانه وتعالى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
اختصاص الله بعلم الساعة ودحض الدجل والكهانة:
الآية تقرر أن علم وقت الساعة محصور عند الله تعالى لا يشاركه فيه أحد؛ كما قال: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ}، وكما في حديث جبريل المشهور: «مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ».
بطلان دعاوى المنجمين والكهنة وأصحاب الحسابات الفلكية الذين يحددون مواعيد لنهاية العالم؛ فكل ذلك رجم بالغيب وافتراء باطل يرده محكم هذا النص القرآني.
تقديم شبه الجملة لإفادة الحصر: في ثلاثة مواضع متتالية: {لَهُ مُلْكُ} (حصر الملكية الحقة له)، و{عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} (حصر علم الغيب به)، و{وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (حصر المرجع والمآل إليه وحده).
الاستيعاب المستقصي التام بـ {وَمَا بَيْنَهُمَا}: لإحاطة الملكية بكل ذرة وفضاء وكائن بين السموات والأرض.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير النفس من الخوف من المخلوقين: إذا علمت أن الملك كله لله وحده، وأن مرجع كل الخلائق إليه، انقطع رجاؤك وخوفك من سائر المخلوقين وعلقت قلبك بالله وحده.
الاستعداد التام للرجوع الأخير: قوله {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يوقظ في الوجدان الإيماني حتمية الحساب والوقوف بين يدي الملك الجبار؛ فيبادر العبد بالتوبة والاستكثار من الصالحات.