بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 696)جامع البيانالطبري٢١/٦٩٦ أن آل فرعون لما اشتد بهم البلاء وتوالت عليهم الآيات الموجعة (كالطوفان والجراد والضفادع والدم)، ضاقت بهم الحيل وكسرت الشدائد كبرياءهم، فجاؤوا إلى موسى متوسلين قائلين: {يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ}: وكان الساحر في عرفهم القديم معناه العالم الحبر البارع الماهر في العلوم الدقيقة، ولم يقولوها هنا على وجه الشتم المجرد لأنهم كانوا في مقام استعطاف ورجاء، وقيل: بل قالوها استهزاءً وغلبتهم العادة مع فرط حاجتهم، {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ}؛ أي بعهده الذي عهد إليك من استجابة دعائك وكشف العذاب عمن أناب، {إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ}؛ أي نعدك وعداً جازماً مؤكداً بأننا سنؤمن بك ونتبع دينك ونرسل معك بني إسرائيل إن كشفت عنا هذا العذاب.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 242)مصدر غير محدد٧/٢٤٢ عن ابن عباس ومجاهد أنهم كانوا يقطعون الأيمان المغلظة لموسى بالاستجابة والإيمان عند نزول كل بلية، لفرط ما يلقونه من الألم والضيق.
وأوضح القرطبي أن هذا شأن المنافق والجاحد؛ يظهر الخضوع والتوبة في حال الشدة والكرب، فإذا جاء الرخاء نكث عهده ورجع إلى كفره.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{السَّاحِرُ}: العالم الحاذق البارع في لسانهم، أو أطلقوه على عادتهم المذمومة مع إرادة التعظيم الدنيوي.
{عَهِدَ عِنْدَكَ}: ما خصه الله به من النبوة والكرامة والعهد باستجابة الدعاء وكشف الضر.
الإعراب:
{وَقَالُوا}: الواو عاطفة، فعل ماض وفاعله.
{يَا أَيُّهَا}: {يَا}: حرف نداء، {أَيُّ}: منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب، و(ها) للتنبيه.
{السَّاحِرُ}: بدل من أي أو نعت مرفوع بالضمة لفظاً.
{ادْعُ}: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة (الواو)، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{لَنَا}: جار ومجرور متعلقان بادع.
{رَبَّكَ}: مفعول به منصوب بالفتحة، والكاف مضاف إليه.
{بِمَا}: الباء حرف جر، {مَا}: اسم موصول مبني في محل جر متعلق بادع أو بمحذوف حال (أو الباء للقسم والوسيلة).
{عَهِدَ}: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو، وجملة الصلة لا محل لها.
{عِنْدَكَ}: ظرف مكان متعلق بعهد، والكاف مضاف إليه.
{إِنَّنَا}: إن واسمها.
{لَمُهْتَدُونَ}: اللام المزحلقة، {مُهْتَدُونَ}: خبر إن مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، وجملة إن واسمها وخبرها في محل نصب مقول القول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تجسيد نفاق المكذبين وتذبذبهم بين الكبر والذل: في الرخاء يضحكون ويسخرون {إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ}، وفي الشدة يستغيثون ويتوسلون بموسى {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ}؛ لرسم التهافت النفسي لأهل الباطل.
التوكيد المزدوج في وعدهم الكاذب: أكدوا عزمهم على الهداية بـ {إِنَّنَا} واللام المزحلقة {لَمُهْتَدُونَ} وبصيغة الاسمية؛ لتوثيق الوعد واستدرار عطف موسى لكشف البلاء.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحرير معنى ندائهم بـ {يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ}: كيف يستغيثون به وينادونه بصفة الساحر؟ التحقيق التفسيري على وجهين معتبرين:
أن السحر عندهم كان علماً شريفاً يعظمون صاحبه، فنادوه بلقب التعظيم الدارج في بلاطهم.
أو أنهم قالوها على سبيل التناقض النفسي والتبلد؛ اعتادوا وصفه بالساحر حتى في مقام الاستغاثة، أو من باب التأويل: يا أيها الذي غلبنا بسحره وحجته ادع لنا ربك.
إثبات صلة الطغاة بالله في الشدائد: حتى فرعون وقومه الوثنيون كانوا في ساعات الهلاك يدركون في أعماقهم أن كاشف الضر الحقيقي هو (رب موسى)، فيطلبون الدعاء منه وحده، مما يثبت حقيقة الفطرة الإنسانية في الالتجاء إلى الله عند انقطاع الحيل.