التوجيه بالمأثور: ذكر أئمة التفسير - الطبري (٢١/ ٦٨٦-٦٨٨)مصدر غير محدد٢١/٦٨٦، وابن كثير (٧/ ٢٥٤)مصدر غير محدد٧/٢٥٤، والقرطبي (١٦/ ١٢٥-١٢٦)مصدر غير محدد١٦/١٢٥: هذه شكوى واستنصار وتضرع من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ربه تبارك وتعالى، بعد أن بذل أقصى جهده في دعوتهم وأقام عليهم الحجج القاطعة والبراهين الساطعة وألزمهم باعترافهم الفطري، فما زادهم ذلك إلا عناداً وتكذيباً؛ فبث شكاته وألمه إلى مولاه قائلاً: {يَا رَبِّ إِنَّ هَٰؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ}، قد طبعت قلوبهم على الجحود واستمرؤوا الكفر والضلال.
القراءات المتواترة وأثرها الإعرابي:
قرأ عاصم وحمزة: {وَقِيلِهِ} بكسر اللام والهاء، وفي توجيهه وجهان: الأول: عطف على {عِلْمُ السَّاعَةِ} في قوله {وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} أي: وعنده علم قيله وشكواه ومقاله لربه؛ والثاني: قسم بإضمار حرف القسم؛ أي: وحق قيله يا رب؛ تعظيماً لقول النبي صلى الله عليه وسلم وشكواه لربه.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والكسائي وأبو جعفر ويعقوب وخلف العاشر: {وَقِيلَهُ} بنصب اللام والهاء؛ وفيه أوجه: الأول: عطف على موضع {سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} أي: ونسمع قيله يا رب؛ والثاني: مفعول به لفعل محذوف تقديره: (وعلم قيله) أو (وشكا قيله)؛ والثالث: مفعول مطلق منصوب لفعل محذوف تقديره (وقال قيله يا رب).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{وَقِيلِهِ}: القيل والقال والقول مصادر بمعنى واحد، وأضيف المصدر إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم تشريفاً لمقامه وبياناً لصدق شكواه.
{وَقِيلِهِ}: الواو عاطفة (أو واو القسم)، قيل: اسم مجرور بالكسرة (أو منصوب بالفتحة على القراءة الأخرى)، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
{يَا}: حرف نداء مبني على السكون.
{رَبِّ}: منادى مضاف منصوب بالفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف، والياء مضاف إليه، وجملة النداء مقول القيل لا محل لها.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب مبني على الفتح.
{هَٰؤُلَاءِ}: الهاء للتنبيه، أولاء: اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب اسم إن.
{قَوْمٌ}: خبر إن مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
{لَا}: نافية مهملة.
{يُؤْمِنُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع نعت لـ (قوم).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة الموقف الدعوي والمناجاة الخالصة: بعد أن سدت قريش كل أبواب الهداية بمكابرتها وتناقضها المكشوف في الآية السابقة، تحول المشهد من محاورة المشركين إلى مناجاة رب العالمين؛ حيث يرفع الرسول شكواه للملك الديان الذي يعلم السر وأخفى.
التمهيد لصدور الأمر الإلهي بالصفح والوعيد: هذه الشكوى النبوية مهدت للأمر الإلهي المباشر الذي جاء في ختام السورة بالصفح والمسالمة مع انتظار الوعيد المحتوم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مشروعية بث الشكوى والحزن إلى الله تعالى:
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أكمل الخلق صبراً وتوكلاً، ولكن بث الشكوى إلى الله لا ينافي الصبر الجميل، بل هو محض العبودية والافتقار إلى الله؛ كما قال يعقوب عليه السلام: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ}، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطائف: «اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ».
تبرئة الرسول من التقصير في البلاغ: قوله {إِنَّ هَٰؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ} شهادة نبوية بانتهاء مرحلة البلاغ وإقامة الحجة، وتبرئة لساحة الدعاة من تبعة كفر المعاندين.
الإضافة التشريفية في {وَقِيلِهِ}: إبراز منزلة النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه؛ فقوله مسموع وشكواه معتبرة عند الله.
التعبير بـ {قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ}: تنكير (قوم) واستعمال الفعل المضارع المنفي للدلالة على استقرار صفة عدم الإيمان فيهم وكأنها سجية ثابتة لا تنفك عنهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اللجوء إلى الله عند ضيق الصدور: الداعية حين يواجه الصدود والافتراء والعناد في مجتمعه، يفزع إلى الصلاة والمناجاة وبث الشكوى لربه، فيجد السكينة والطمأنينة.
التفريق بين الشكوى لله والشكوى للمخلوق: الشكوى إلى الله عبادة وذل وافتقار، والشكوى للمخلوقين مذلة وضعف.