بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 665)جامع البيانالطبري٢١/٦٦٥ أن الله تعالى يبيّن سبب تمادي هؤلاء المشركين في كفرهم برغم وجود الكلمة الباقية فيهم؛ فقال: بل أمهلت هؤلاء المشركين من قريش وآباءهم من قبلهم، وبسطت لهم في الأعمار والأرزاق ومتاع الحياة الدنيا في حرمي الآمن، اغتراراً منهم بإحساني وإمهالي، حتى طال عليهم الأمد وقست قلوبهم، فظنوا أن ذلك لكرامتهم عليّ، واستمروا على ضلالهم حتى جاءهم الحق الذي لا مرية فيه وهو القرآن العظيم، وجاءهم رسول مبين ظاهر الصدق واضح الدلالة وهو محمد صلى الله عليه وسلم.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 232)مصدر غير محدد٧/٢٣٢ أن هذا استدراج من الله وإمهال لهؤلاء؛ فالمتاع الدنيوي ليس دليلاً على الرضا، بل هو اختبار وابتلاء، حتى أقام الله عليهم الحجة القاطعة بالقرآن والرسول المصطفى.
وأوضح ابن عاشور أن الإضراب بـ {بَلْ} إضراب إبطالي؛ يبين أن عدم رجوعهم للكلمة الباقية لم يكن لقصور في بيان إبراهيم، بل بسبب استغراقهم في الترف والنعيم الدنيوي الذي أورثهم الغفلة والبطر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مَتَّعْتُ}: التمتيع: الإمهال والإعطاء للمتاع الدنيوي مع مد العمر وتيسير الأرزاق.
{رَسُولٌ مُبِينٌ}: رسول بيّن الصدق واضح الرسالة، مبيّن للشرائع والهدى.
الإعراب:
{بَلْ}: حرف إضراب انتقالي وإبطالي.
{مَتَّعْتُ}: فعل ماض مبني على السكون، والتاء ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل (وهو الله تعالى، وقرئ في الشواذ: مَتّعَ بالبناء للغائب).
{هَؤُلَاءِ}: اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به لممتعت.
{جَاءَهُمُ}: فعل ماض مبني على الفتح، والهاء مفعول به مقدم، والميم للجمع.
{الْحَقُّ}: فاعل مرفوع بالضمة (وهو القرآن الكريم)، والمصدر المؤول من أن المضمرة والفعل في محل جر بحتى.
{وَرَسُولٌ}: معطوف مرفوع بالضمة.
{مُبِينٌ}: نعت لرسول مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف العلة النفسية والاجتماعية وراء الإعراض: بعد أن بيّن أن التوحيد كلمة باقية فيهم ليرجعوا إليها، أوضح المانع الذي صدهم عن الرجوع: وهو الاستغراق في المتاع الزائل وطول الأمل الذي أنساهم وصية أبيهم إبراهيم.
اقتران {الْحَقُّ} بـ {رَسُولٌ مُبِينٌ}: جمع بين الدستور المعصوم (القرآن) والنموذج البشري الهادي المطبق له (الرسول الأمين)؛ لقطع أي عذر أو حجة للمفرطين.
التمهيد لبيان ردة فعلهم الجاحدة: ذكر مجيء الحق والرسول المبين مهد للآية التالية التي تفضح وقاحتهم في رمي هذا الحق بالسحر والكفران.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التمييز الصارم بين الاستدراج والكرامة: تقرر الآية أصلاً قرآنياً حاسماً: العطاء الدنيوي وسعة العيش وطول العمر ليست معياراً لرضا الله ومحبته؛ فقد يمتع الله الكافر ويبسط له في الدنيا استدراجاً وإملاءً: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}، فالمعيار الحقيقي للكرامة هو الإيمان واتباع الحق.
صفة الإبانة في الرسول صلى الله عليه وسلم: وصف الرسول بأنه {مُبِينٌ} يبطل دعاوى المشركين؛ فأمانته وصدقه وأخلاقه كانت معلومة لجميع أهل مكة قبل البعثة وبعدها؛ فلم يكن مجهول الحال ولا مدعياً كاذباً.