بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 684)جامع البيانالطبري٢١/٦٨٤ أن الله تعالى يسلّي نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من إعراض هؤلاء المشركين وتعاميهم عن القرآن؛ فيقول له: أفأنت تقدر يا محمد أن تُسمع من سلبه الله السمع فلم يعد يسمع الحق سماع قبول واستجابة، أو تقدر أن تهدي إلى الطريق من أفقده الله البصر فصار أعمى القلب لا يبصر آيات الله، أو تهدي من قضى الله عليه بالشقاوة لتماديه وإصراره فصار مستغرقاً في ضلال واضح بيّن؟ ليس ذلك في مقدورك ولا في مقدور بشر، وإنما عليك البلاغ، والله هو الذي يسمع من يشاء ويهدي من يشاء.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 238)مصدر غير محدد٧/٢٣٨ أن هذا مثل ضربه الله لهؤلاء الكفار المعاندين؛ فهم بمنزلة الصم الذين لا يسمعون، والعمي الذين لا يبصرون، ولا حيلة للداعية في هداية من كتب الله عليه الضلال بعد أن اختاره بنفسه وعطل حواسه عن إدراك الحق.
وطابق القرطبي بين هذه الآية وبين قوله تعالى في سورة النمل: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الصُّمَّ}: جمع أصم؛ وهو فاقد حاسة السمع، والمراد به هنا صمم القلب عن سماع الحق والقبول له.
{الْعُمْيَ}: جمع أعمى؛ وهو فاقد حاسة البصر، والمراد به عمى البصيرة عن رؤية آيات الهدى.
{ضَلَالٍ مُبِينٍ}: ضلال ظاهر بين لا خفاء فيه ولا شبهة.
الإعراب:
الهمزة للاستفهام الإنكاري الإبطالي المتضمن معنى التسلية ونفي القدرة البشرية.
الفاء عاطفة على مقدر.
{أَنْتَ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ (أو فاعل لفعل محذوف يفسره تسمع).
{وَمَنْ}: الواو عاطفة، {مَنْ}: اسم موصول مبني في محل نصب معطوف على العمي.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص، واسمها مستتر يعود على من.
{فِي ضَلَالٍ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كان.
{مُبِينٍ}: نعت لضلال مجرور بالكسرة، وجملة الصلة لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تسلية قلب المصطفى وتحديد دائرة الاستطاعة: بعد أن بيّن حال المعرضين وقرنائهم وسوء عاقبتهم في الآيات السابقة، التفت إلى نبيه صلى الله عليه وسلم المشفق الحريص على هدايتهم؛ ليخفف عنه الحزن والأسى ويبين أن تعطل حواسهم المعنوية يمنع انتفاعهم بالدعوة.
التدرج الإعجازي في تصوير الحواس المعطلة:
صمم الأذن عن سماع الوحي {تُسْمِعُ الصُّمَّ}.
عمى العين والبصيرة عن رؤية المعجزات {تَهْدِي الْعُمْيَ}.
استغراق الكيان كله في التيه {وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}.
التمهيد لتقرير سنة الانتقام الإلهي في الآيات التالية: إذا كان هؤلاء صماً وعمياً لا يرجى صلاحهم، فمصيرهم الانتقام والعقوبة التي توعدهم الله بها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الفرق الدقيق بين هداية الدلالة وهداية التوفيق (أصل سني قطعي): الآية تنفي عن النبي صلى الله عليه وسلم هداية التوفيق وخلق الإيمان في القلوب؛ لأن ذلك بيد الله وحده: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}، بينما تثبت له هداية الدلالة والإرشاد والبيان: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}؛ فلا تعارض بين نصوص القرآن عند المحققين.
سبب نفي السمع والبصر مع وجود الجوارح الفيزيائية: الكفار لهم آذان يسمعون بها الأصوات وأعين يرون بها الأشخاص، ولكن لما عطلوا الغاية العظمى من هذه الحواس -وهي تدبر الوحي والاعتبار بآيات الله- سلبوا اسم السمع والبصر ونزلوا منزلة الصم العمي؛ لأن نفي الثمرة نفي للشيء مجازاً وبلاغة.