روى الطبري في جامع البيان (٢١/ ٦٥٩-٦٦١)مصدر غير محدد٢١/٦٥٩، وابن كثير (٧/ ٢٤٣-٢٤٥)مصدر غير محدد٧/٢٤٣، والقرطبي (١٦/ ١١٥-١١٦)مصدر غير محدد١٦/١١٥: أخرج البخاري في صحيحه (رقم ٣٢٤٤)مصدر غير محددحديث رقم ٣٢٤٤ ومسلم (رقم ٢٨٢٤)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٢٤ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»، واقرؤوا إن شئتم: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ}.
وأخرج الترمذي في سننه (رقم ٢٥٣٠)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥٣٠ وصححه عن عبد الرحمن بن ساعدة قال: كنت أحب الخيل فقلت: يا رسول الله، أفي الجنة خيل؟ فقال: «إِنْ يُدْخِلْكَ اللَّهُ الجَنَّةَ فَلَا تَشَاءُ أَنْ تُرْكَبَ عَلَى فَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ تَطِيرُ بِكَ فِي الجَنَّةِ حَيْثُ شِئْتَ إِلَّا كَانَ»، وسأله رجل: أفي الجنة إبل؟ فلم يقل له ما قال لصاحب الخيل، وقال: «إِنْ يُدْخِلْكَ اللَّهُ الجَنَّةَ يَكُنْ لَكَ فِيهَا مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ».
القراءات المتواترة:
قرأ الجمهور (نافع، أبو عمرو، ابن عامر، عاصم، حمزة، الكسائي، أبو جعفر، يعقوب، خلف العاشر): {مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ} بإثبات هاء الضمير العائدة على ما.
وقرأ ابن كثير وابن محيصن ومجاهد: {مَا تَشْتَهِي الْأَنْفُسُ} بحذف هاء الضمير تخفيفاً واكتفاءً بصلة الموصول، والمعنى واحد متطابق.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{بِصِحَافٍ}: جمع صَحْفة، وهي القصعة الكبيرة العريضة المقعرة التي يُقدم فيها الطعام، وتكفي الصحفة الواحدة من أربعة إلى خمسة في الدنيا، أما في الجنة فهي كرامة ولذة فردية من أصفى الذهب.
{وَأَكْوَابٍ}: جمع كُوب، وهو قدح مستدير واسع الرأس لا عروة له ولا خُرطوم، يشرب منه ألذ الشراب.
{تَلَذُّ}: اللذة إدراك الحاسة لما فيه ملاءمة وسرور وبهجة وحسن.
الإعراب الدقيق:
{يُطَافُ}: فعل مضارع مبني لما لم يسمّ فاعله (مبني للمجهول) مرفوع بالضمة الظاهرة.
{عَلَيْهِمْ}: جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل (أو نائب الفاعل ضمير مستتر والجار والمجرور متعلقان به).
{بِصِحَافٍ}: جار ومجرور متعلقان بالفعل (يطاف).
{مِنْ ذَهَبٍ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لـ (صحاف).
{وَأَكْوَابٍ}: الواو عاطفة، أكواب: معطوف على صحاف مجرور بالكسرة الظاهرة.
{وَفِيهَا}: الواو استئنافية أو حالية، في: حرف جر، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
{مَا}: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر.
{تَشْتَهِيهِ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الياء للثقل، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به.
{الْأَنْفُسُ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها.
{وَتَلَذُّ}: الواو عاطفة، تلذ: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الْأَعْيُنُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{وَأَنْتُمْ}: الواو حالية، أنتم: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{فِيهَا}: جار ومجرور متعلقان بالخبر (خالدون).
{خَالِدُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل نصب حال مؤكدة لدوام النعيم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المطابقة الإعجازية لمقصد سورة الزخرف (تحطيم زخرف الدنيا بالذهب الحقيقي):
سورة الزخرف تُعنى بهوان متاع الدنيا وزينتها الزائفة؛ فالمشركون افتخروا بأساور الذهب، وفرعون قال: {فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ}، وبين الله أنه لو شاء لجعل للكافرين بيوتاً وسقفاً من فضة وزخرفاً ولكنه متاع زائل؛ وجاءت هذه الآية لتبين أين هو الذهب الحقيقي والزخرف الأبدي الأقدس: إنه في جنات النعيم، حيث يطاف على عباد الله المتقين بصحاف وأكواب من ذهب خالص لا يبلى ولا يزول!
الاستيعاب المعجز في جملة واحدة: قوله تعالى: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ} عبارة جامعة أحاطت بكل ما يمكن أن يطلبه إنسان؛ فالنفس تطلب المطعوم والمشروب والمنكوح والمسموع وسائر الرغبات الباطنة، والأعين تتلذذ بالمناظر الحسنة والبساتين والألوان والأشكال والأنهار والجمال الظاهر، ثم تُوج ذلك بالخلود الأبدي الذي يحفظ هذا النعيم من أي انقطاع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
إثبات النعيم الحسي والروحي معاً في الجنة:
دحض مذهب الفلاسفة والمنكرين للنعيم الحسي: زعم بعض المتفلسفة أن نعيم الجنة محض روحاني أو رمزي وتخيل عقلي؛ وجاءت الآية صريحة قطعية في إثبات النعيم الحسي الواقعي الحقيقي (صحاف الذهب، الأكواب، مشتهيات الأنفس، ولذائذ الأعين)، إلى جانب النعيم الروحي الأكبر وهو رضوان الله ولقاؤه.
زوال علل التنغيص: في الدنيا قد يشتهي الإنسان الشيء ويضر بدنه، أو يمتلئ فيزهد فيه ويعافه، أو يخاف زواله وموته فيتنغص عيشه؛ أما في الجنة فكل ما تشتهيه مباح هنيء مريء بلا مرض ولا أذى ولا شبع منفر، والخلود {وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} يؤمن العبد من فوبيا الزوال والفناء.
الإيجاز بالحذف والإعجاز بالاستيعاب التام: لا توجد في لغات البشر قاطبة جملة أوجز ولا أجمع لكل مشتهيات الخلائق ولذائذهم الدقيقة والجليلة من قوله تعالى: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ}.
الالتفات والتتويج بالخلود: الالتفات إلى الخطاب المباشر {وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}؛ لإشعارهم بالكرامة الحاضرة والأمان المطلق من أي موت أو تحول أو خروج؛ فالنعيم إن لم يكن مخلداً كان صاحبه معذباً بترقب زواله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الزهد الحقيقي في زخرف الدنيا الفاني: إذا علم المؤمن أن صحاف الذهب وأكواب اللذة وكمال المشتهيات تنتظره في دار القرار، هان في عينيه كل لمعان زائف وزخرف رخيص في هذه الدنيا الدنية.
غض البصر وصيانة النفس في الدنيا: من كف بصره عن الحرام في الدنيا أقر الله عينه بلذائذ الجنة، ومن صام عن شهوات الحرام فإفطاره في دار السلام حيث تلذ الأعين وتشتهي الأنفس.