بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 687)جامع البيانالطبري٢١/٦٨٧ أن هذا هو القسم الثاني من التقسيم الإلهي: أو نريك يا محمد في حياتك ما وعدنا هؤلاء المشركين من الخزي والعذاب العاجل والهزيمة المنكرة، فإنا عليهم مقتدرون؛ لا يعجزوننا ولا يفوتون سلطاننا، قادرون على إنزال النقمة بهم متى شئنا وكيف شئنا.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 239)مصدر غير محدد٧/٢٣٩ أن الله تعالى قد حقق لنبيه كلا الوعدين؛ فأراه في حياته مصارع صناديد قريش في معركة بدر الكبرى؛ حيث سُحبت جثث أبي جهل وعتبة وشيبة وأمية في القليب، وأراه فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجاً وكسر الأصنام حول الكعبة، ثم توفاه الله راضياً مرضياً، وانتقم سبحانه ممن كذب وكفر بعد وفاته بالفتوحات والتمكين.
وقال السعدي: التعبير بـ {مُقْتَدِرُونَ} صيغة مبالغة تدل على كمال القدرة وعظمة السلطان والإحاطة التامة بأعدائه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{نُرِيَنَّكَ}: الرؤية هنا بصرية؛ أي نجعلك تشاهد بأم عينك عذابهم وخزيهم.
{مُقْتَدِرُونَ}: اسم فاعل من اقتدر، وصيغة الافتعال تدل على القوة البالغة والقدرة التامة التي لا يمتنع عليها شيء.
الإعراب:
{أَوْ}: حرف عطف للتقسيم والترديد.
{نُرِيَنَّكَ}: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم بالعطف على نذهبن، والفاعل مستتر تقديره نحن، والكاف ضمير متصل مفعول به أول.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به ثانٍ لنرينك.
{وَعَدْنَاهُمْ}: فعل ماض وفاعله ومفعوله الأول، والمفعول الثاني محذوف تقديره (العذاب)، وجملة الصلة لا محل لها.
{فَإِنَّا}: الفاء رابطة لجواب الشرط المقدر، إن واسمها.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
البرهان التاريخي على صدق النبوة والإعجاز القرآني: الآية تضمنت نبوءة غيبية قاطعة في مكة حين كان المسلمون قلة مستضعفين يُعذبون؛ حيث قطعت بأن الله سيري نبيه مصارع هؤلاء الكفار، وتحقق ذلك حرفياً بعد سنوات قلائل في بدر والفتح؛ وهذا برهان عقلي وتاريخي معجز يخرس الملاحدة والمشككين.
مفهوم القدرة المطلقة: وصف الله نفسه بـ {مُقْتَدِرُونَ} يرسخ عقيدة انقياد الكائنات كلها لأمر الله؛ فلا يعجزه طاغية مهما تجبر واستكبر بجنده وسلاحه.