التوجيه بالمأثور في نزول عيسى عليه السلام: روى الطبري في جامع البيان (٢١/ ٦٤١-٦٤٥)مصدر غير محدد٢١/٦٤١ وابن كثير (٧/ ٢٣٦-٢٣٩)مصدر غير محدد٧/٢٣٦ والقرطبي (١٦/ ١٠٩-١١١)مصدر غير محدد١٦/١٠٩ بأسانيدهم الصحيحة عن عبد الله بن عباس ومجاهد وأبي هريرة والحسن البصري وقتادة والضحاك والسدي: أن الضمير في قوله {وَإِنَّهُ} يعود إلى عيسى بن مريم عليه السلام؛ أي: وإن خروج عيسى ونزوله من السماء قبل يوم القيامة لَعِلْمٌ وأمارة كبرى تدل على قرب قيام الساعة ودنوها.
الأحاديث الصحيحة المتواترة في نزول المسيح:
أخرج البخاري في صحيحه (رقم ٢٢٢٢)مصدر غير محددحديث رقم ٢٢٢٢ ومسلم (رقم ١٥٥)مصدر غير محددحديث رقم ١٥٥ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لاَ يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»، ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا}.
القراءات المتواترة:
قرأ الجمهور (نافع، عاصم، حمزة، الكسائي، أبو عمرو، ابن عامر، وغيرهم): {لَعِلْمٌ} بكسر العين وسكون اللام، أي: علامة ودلالة يُعلم بها اقتراب الساعة ومجيئها.
وقرأ ابن عباس وأبو هريرة ومجاهد وقتادة والضحاك (وهي قراءة متواترة عن ابن محيصن ومروية في الحروف): {لَعَلَمٌ} بفتح العين واللام، أي: منار وأمارة وعلامة ظاهرة يُهتدى بها، كالعلم وهو الجبل أو الراية المنصوبة. والمعنيان متلازمان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{لَعِلْمٌ}: ما يُتيقن به ويعلم به الشيء، أو العلامة والأمارة.
{فَلَا تَمْتَرُنَّ}: الامتراء: افتعال من المرية، وهي الشك والتردد والمخاصمة فيه.
{صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ}: طريق واضح لا اعوجاج فيه يوصل سالكه إلى رضوان الله وجنته.
الإعراب الدقيق:
{وَإِنَّهُ}: الواو استئنافية أو عاطفة، إنّ: حرف توكيد ونصب، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب اسم إن.
{لَعِلْمٌ}: اللام هي المزحلقة الداخلة على خبر إن للتوكيد، علم: خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة.
{لِلسَّاعَةِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لـ (علم) أو بالفعل الدال عليه المصدر.
{فَلَا}: الفاء الفصيحة رابطة لجواب شرط مقدر، لا: ناهية جازمة.
{تَمْتَرُنَّ}: فعل مضارع مجزوم بحذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل، والنون المشددة نون التوكيد الثقيلة حرف لا محل له من الإعراب.
{بِهَا}: جار ومجرور متعلقان بالفعل (تمترن).
{وَاتَّبِعُونِ}: الواو عاطفة، اتبعوا: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والنون للوقاية، والياء المحذوفة رسماً للتخفيف ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والتقدير: واتبعوني.
{هَذَا}: اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ.
{صِرَاطٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مُسْتَقِيمٌ}: نعت لـ (صراط) مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الربط العضوي بين قصة عيسى وأشراط القيامة: بعد أن ذكر خلق عيسى ومعجزته، ربط وجوده ونزوله بالقيامة الكبرى؛ فالذي خلقه بلا أب قادر على إعادة الأجساد وبعث الأموات، ونزوله في آخر الزمان تصديق لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وإيذان بانتهاء دار التكليف.
الانتقال من البرهان إلى الأمر بالاتباع: {فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ}؛ فإذا قامت البراهين القاطعة وتجلت الدلائل الساطعة، لم يبقَ إلا الامتثال واليقين وسلوك الصراط المستقيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد شبهات منكري نزول عيسى بن مريم عليه السلام:
شبهة العقلانيين والمستشرقين: زعم بعض المنكرين أن القرآن لم يصرح بنزول عيسى، وأن ذلك من الإسرائيليات.
المحاكمة النصية العقدية: هذه الشبهة ساقطة؛ فالآية نص قرآني صريح فسره ترجمان القرآن عبد الله بن عباس والصحابة والتابعون بأنه نزول عيسى، وتواترت فيه الأحاديث الصحاح في البخاري ومسلم وغيرهما برواية جمع غفير من الصحابة (أبو هريرة، ابن مسعود، عائشة، جابر، النواس بن سمعان)، ونزوله ليس بشريعة جديدة بل هو حاكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم تابع له مصدق بنبوته.
توكيد الخبر بـ (إنّ) واللام المزحلقة: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ} لتقرير اليقين وإزالة كل شك يعتري القلوب.
توكيد النهي بنون التوكيد الثقيلة: {فَلَا تَمْتَرُنَّ} مبالغة في التحذير من الشك والارتياب في القيامة وأشراطها.
الإيجاز بالحذف والإشارة بالقريب: {هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} إشارة للقريب الحاضر في العقول والقلوب، وهو التوحيد والاتباع الصادق للرسول صلى الله عليه وسلم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
رسوخ عقيدة الإيمان بأشراط الساعة واليوم الآخر: تذكر دنو القيامة وأماراتها يورث القلب حياءً وخشية واستعداداً للميعاد بالأعمال الصالحة.
لزوم الاتباع ومجانبة الابتداع: النجاة محصورة في سلوك الصراط المستقيم الذي سطره الوحي، واتباع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.