بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 664)جامع البيانالطبري٢١/٦٦٤ أن الضمير في {وَجَعَلَهَا} يعود على كلمة التوحيد والبراءة وإخلاص العبادة لله وحده المفهومة من قوله: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي}؛ أي جعل إبراهيم عليه السلام (أو جعل الله تعالى بإجابته لدعاء إبراهيم) كلمة (لا إله إلا الله) كلمة مستمرة باقية في ذريته ونسله من بعده، لا يزال في عقبه من يوحد الله ويعبده ولا يشرك به شيئاً، {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}؛ لكي يرجع إليها من ضل منهم وأشرك، ويتوب إلى دين أبيه الحنيف.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 231)مصدر غير محدد٧/٢٣١ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك أن الكلمة الباقية هي: "لا إله إلا الله"، توارثتها ذرية إبراهيم؛ فكان فيهم الرسل والأنبياء والموحدون، حتى بُعث خاتمهم وسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم بالكلمة نفسها داعياً قريشاً والعالمين إلى الرجوع إليها.
وأوضح ابن عاشور أن جعلها باقية في عقبه هو إجابة لدعوة إبراهيم حين قال: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}، وقوله: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{عَقِبِهِ}: العَقِب: الولد وولد الولد والذرية والنسل الباقي بعد المرء.
الإعراب:
{وَجَعَلَهَا}: الواو عاطفة أو استئنافية، فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو (يعود على إبراهيم أو على الله)، والهاء مفعول به أول لجعل.
{يَرْجِعُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة خبر لعل، وجملة (لعلهم يرجعون) تعليلية لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج الملة الإبراهيمية بالأثر المتعدي الخالد: إبراهيم لم يكتفِ بإعلان التوحيد في خاصة نفسه وزمانه، بل رسخ هذا الأصل وجعله ميثاقاً ممتداً في ذريته إلى يوم الدين.
إقامة الحجة المباشرة على قريش: قريش من عقب إبراهيم ومن ولد إسماعيل بن إبراهيم، فالآية تواجههم بحقيقة نسبهم الديني: أنتم ثمرة دعوة إبراهيم ووراثة كلمته الباقية، فكيف تنحرفون إلى الوثنية ثم تزعمون تقليد الآباء؟! فمرجعكم الحقيقي هو الرجوع إلى كلمة أبيكم.
التعليل بـ {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}: إبراز لرحمة الله وحكمته في إبقاء منارات التوحيد في ذرية الخليل لتكون مرجعاً للتائبين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد دعوى انقطاع التوحيد في ذرية إبراهيم: قد يقال: كيف تكون كلمة باقية في عقبه مع أن أكثر قريش كانوا مشركين؟ والرد الأصولي: أن بقاء الكلمة لا يقتضي إيمان كل فرد من ذريته، بل يقتضي ألا يخلو نسله من موحدين وأنبياء يحملون أمانة الكلمة؛ فكان في بني إسرائيل أنبياء وأتباع، وفي العرب الحنفاء وبقايا ملة إبراهيم كزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل، حتى توجت بالبعثة المحمدية الشريفة التي أشرقت بها الأرض.
التمييز بين الميراث المادي والميراث الإيماني: إبراهيم لم يورث عقبه ذهباً ولا زخرفاً ولا ملكاً دنيوياً، وإنما ورثهم أثمن كنز في الوجود: (كلمة التوحيد)؛ وهذا ينسجم مع المقصد الكلي للسورة في تفضيل القيم الإيمانية على الزخرف الزائل.
تنكير {كَلِمَةً} ووصفها بـ {بَاقِيَةً}: للتعظيم والتفخيم؛ فهي أعظم كلمة وأعلاها وأبقاها على مر العصور والأزمان.
الإشارة التدبرية: توريث العقيدة أعظم مسؤولية على الوالدين؛ فالمؤمن الحقيقي يحمل همّ إيمان ذريته وبقاء التوحيد في نسله من بعده اقتداءً بالخليل إبراهيم: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
العناية الفائقة بتربية الأبناء والذرية على عقيدة التوحيد الصافية وحمايتهم من التيارات الإلحادية والشركية.
الإكثار من الدعاء للذرية بالصلاح والثبات على الإيمان كما كان يفعل الأنبياء.
التوبة والإنابة والرجوع إلى أصل الفطرة والتوحيد عند غلبة الغفلة والفتن.