بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 634)جامع البيانالطبري٢١/٦٣٤ أن المعنى: وما جاء أولئك الأمم الماضية نبي من أنبياء الله يدعوهم إلى عبادة الله وخلع الأنداد، إلا قعدوا له بالمرصاد يستهزئون به ويسخرون من رسالته ويكذبونه كفراً وعناداً، كما يفعل بك مشركو قومك اليوم.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 222)مصدر غير محدد٧/٢٢٢ أن هذه الآية تكشف النفسية الجاحدة للأمم الكافرة؛ فالجهل والغرور يدفعان المبطلين دائماً إلى اتخاذ السخرية سلاحاً عاجزاً للهروب من سلطان الحجة والبرهان.
وقال السعدي في (تفسيره، ص 762)مصدر غير محدد٧٦٢: هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ووعيد للمكذبين؛ فإن الاستهزاء بالأنبياء لم يدفع عن الأمم السابقة عذاب الله، بل كان سبب حلوله بهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَسْتَهْزِئُونَ}: الاستهزاء: السخرية والاستخفاف والضحك من الشيء احتقاراً له وتصغيراً لشأنه.
الإعراب:
{وَمَا}: الواو عاطفة أو حالية، {مَا}: نافية.
{يَأْتِيهِمْ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة، والهاء مفعول به مقدم، والميم للجمع.
{يَسْتَهْزِئُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة في محل نصب خبر كانوا، وجملة كان واسمها وخبرها في محل نصب حال من الضمير في يأتيهم أو صفة لنبي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الاستغراق وعموم البيان في سنة المكذبين: صيغة النفي والاستثناء {وَمَا... إِلَّا} مع حرف الجر الزائد {مِنْ نَبِيٍّ} تدل على أن الاستهزاء كان صفة ملازمة لكل الأمم السابقة بلا استثناء؛ مما يوطن نفس النبي صلى الله عليه وسلم على التحمل.
التعبير بالمضارع {يَسْتَهْزِئُونَ} في خبر {كَانُوا}: للدلالة على استمرار السخرية وتجددها واعتيادهم عليها حتى صارت سجية راسخة فيهم.
التمهيد المباشر لعقوبة الاستئصال: السخرية من آيات الله والرسل هي قمة الطغيان التي تملأ مكيال العذاب، ولذا عطف عليها مباشرة بالآية الثامنة: {فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كشف العجز الفكري لسلاح السخرية: يثبت التحليل النفسي والعقلي أن اللجوء إلى السخرية والاستهزاء ضد الدعاة هو اعتراف ضمني بالعجز عن مقارعة الحجة بالحجة؛ فالجاهل المفلس يلجأ إلى التشويش والتهكم والغمز واللمز حين تبهته براهين الحق.
حتمية الفشل للمستهزئين: التاريخ يشهد أن كل ساخر ومستهزئ بالرسل طواه النسيان وأهلكه الخزي، وبقيت دعوة الأنبياء ورسالاتهم منارات هداية عبر القرون.
أسلوب الحصر والقصر: يفيد الإحاطة والاستيعاب لحال كل نبي مع المكذبين من قومه.
تقديم الجار والمجرور {بِهِ}: لتصوير تركيز عداوتهم وسخريتهم على هذا المصلح الهادي الذي جاء لنجاتهم.
الإشارة التدبرية: لا يضر السحاب نباح الكلاب؛ فاستهزاء المعارضين بالإسلام وأحكامه وثوابته لا ينقص من شرف الدين قيد أنملة، بل يكشف خسة المستهزئين وسفاهة عقولهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
توطين النفس الدعوية على احتمال السخرية والتهكم من أهل الباطل في وسائل الإعلام ومواقع التواصل دون انكسار أو تردد.
الإعراض عن المستهزئين وعدم الاشتغال بمعاركهم الجانبية؛ فالله كافٍ رسله ودعاته: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ}.
تعميق اليقين بنصر الله وعاقبة المتقين؛ فالمستهزئ يضحك قليلاً في الدنيا ويبكي طويلاً في الآخرة.