بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 656)جامع البيانالطبري٢١/٦٥٦ أن الله تعالى يطالب هؤلاء المشركين بالسند النقلي والوثيقة السماوية التي يستندون إليها في شركهم وافتراءاتهم: أأنزلنا عليهم كتاباً من السماء قبل هذا القرآن يأمرهم بعبادة الملائكة والأوثان ويبيح لهم الشرك، فهم مستمسكون بما فيه محتجون بنصوصه؟ كلا! لم ننزل عليهم كتاباً ولا أرسلنا إليهم رسولاً قبل محمد صلى الله عليه وسلم بذلك، فشركهم مجرد اختلاق لا مستند له من عقل ولا نقل.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 229)مصدر غير محدد٧/٢٢٩ أن هذا استفهام إنكاري يقطع كافة السبل المعرفية المعتبرة؛ فلا عقل يعضدهم، ولا نقل يسندهم، ولم يبق في أيديهم إلا الشبهات الساقطة.
وأوضح القرطبي أن الآية توجب على كل منتحل مذهباً أو ديناً أن يقيم الدليل النقلي القاطع على صحة ما يدعيه من عند الله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مُسْتَمْسِكُونَ}: الاستمساك: شدة التمسك والاعتصام بالشيء والمحافظة عليه بحرص وقوة.
الإعراب:
{أَمْ}: منقطعة تتضمن معنى بل والهمزة الإنكارية.
{آتَيْنَاهُمْ}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، والهاء ضمير متصل مفعول به أول، والميم للجمع.
{كِتَابًا}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة.
{مِنْ قَبْلِهِ}: جار ومجرور متعلقان بنعت لكتاباً، والهاء مضاف إليه تعود على القرآن أو الرسول.
{فَهُمْ}: الفاء عاطفة تفيد السببية، {هُمْ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
ونفى عنهم العلم النقلي والدليل الكتابي: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ}.
وهذا النظم الإعجازي يستوعب كافة مصادر المعرفة الإنسانية ويبطلها عن دعوى المشركين، ليبقى الشرك عارياً من أي مبرر.
سر استخدام صيغة الاستمساك {مُسْتَمْسِكُونَ}: لبيان أنهم لو كان عندهم كتاب حقيقي لتمسكوا بنصوصه بقوة كما يتمسك أهل الحق، لكنهم لا كتاب عندهم ولا مستمسك.
التمهيد لبيان مستندهم الحقيقي الوحيد في الآية التالية: وهو التقليد الأعمى للآباء: {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
اشتراط الدليل النقلي في التوقيفيات الدينية: تقرر الآية قاعدة أصولية كبرى: أن العبادات والشرائع والعقائد توقيفية لا تثبت إلا بنص سماوي معصوم من كتاب منزل؛ فمن شرع عبادة أو اعتقد عقيدة دينية بلا وحي فهو مبتدع مبطل لا يقبل عمله.
عري الوثنيات والشرائع الوضعية من السند الموثق: كافة الديانات الشركية والوثنية لا تملك كتاباً سماوياً متصلاً سنداً إلى الخالق، وإنما هي أساطير وتوارث كهنوتي، بخلاف الإسلام الذي يملك القرآن العظيم المحفوظ بحفظ الله نصاً وحرفاً.