بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 670)جامع البيانالطبري٢١/٦٧٠ أن الله تعالى يرد رداً حاسماً يخرس ألسنة المشركين: أهؤلاء الكفار العاجزون هم الذين يملكون خزائن رحمة ربك فيتولون قسمتها وتوزيع النبوة والرسالة على من يشاؤون من خلقه؟ كلا! بل نحن الذين قسمنا بينهم أرزاقهم ومعايشهم وأقواتهم الدنيوية التافهة الزائلة في الحياة الدنيا بحكمتنا وتدبيرنا، فجعلنا هذا غنياً وهذا فقيراً، وهذا قوياً وهذا ضعيفاً، ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات في الرزق والقوة والمهارات؛ لكي يسخر بعضهم بعضاً في عمارة الأرض وقضاء المصالح المشتركة وخدمة بنيان المجتمع، فإذا كانوا عاجزين عن قسمة معايشهم الدنيوية الخاضعة لقدرنا، فكيف يتجرؤون على التحكم في قسمة الرحمة الكبرى والنبوة والوحي؟! ثم بيّن فضل ما اختص به نبيه: {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ} وهي النبوة والدين والجنة {خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} من حطام الدنيا وزخرفها وكنوزها الزائلة.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 234)مصدر غير محدد٧/٢٣٤ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أن قوله: {لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا}: ليس معناه السخرية والاستهزاء، بل التسخير؛ أي ليسخر هذا هذا في العمل والبناء والزراعة والحياكة، ويستعين هذا بمال هذا؛ فينتظم قوام العالم وتستقيم معايش الخلق.
وقرأ الجمهور (سُخْرِيًّا) بضم السين؛ وهو التسخير والاستخدام، وقرئ بكسر السين (سِخْرِيًّا) بالمعنى نفسه أو ليشمل دلالتي التسخير والخدمة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مَعِيشَتَهُمْ}: المعيشة: ما يعاش به من الرزق والطعام والشراب وأسباب الحياة اليومية.
{سُخْرِيًّا}: من التسخير؛ وهو تذليل الشخص واستخدامه في العمل لقاء أجر أو منفعة متبادلة، وليس من الهزء.
{نَحْنُ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ (ضمير العظمة).
{قَسَمْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، والجملة خبر المبتدأ.
{بَيْنَهُمْ}: ظرف مكان متعلق بقسمنا، والهاء مضاف إليه.
{مَعِيشَتَهُمْ}: مفعول به منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه.
{فِي الْحَيَاةِ}: جار ومجرور متعلقان بقسمنا أو بمعيشتهم.
{الدُّنْيَا}: نعت للحياة مجرور بالكسرة المقدرة.
{وَرَفَعْنَا}: الواو عاطفة، فعل ماض وفاعله.
{بَعْضَهُمْ}: مفعول به منصوب.
{فَوْقَ}: ظرف مكان متعلق برفعنا، وهو مضاف.
{بَعْضٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{دَرَجَاتٍ}: تمييز أو مفعول مطلق منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم.
{لِيَتَّخِذَ}: اللام لام التعليل، {يَتَّخِذَ}: مضارع منصوب بأن مضمرة.
{بَعْضُهُمْ}: فاعل مرفوع بالضمة.
{بَعْضًا}: مفعول به أول منصوب.
{سُخْرِيًّا}: مفعول به ثانٍ ليتخذ منصوب بالفتحة.
{وَرَحْمَتُ}: الواو استئنافية، مبتدأ مرفوع، وهو مضاف، {رَبِّكَ}: مضاف إليه.
{خَيْرٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة.
{مِمَّا}: جار ومجرور متعلقان بخير.
{يَجْمَعُونَ}: صلة الموصول، والعائد محذوف؛ أي: مما يجمعونه من الأموال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الرد الصاعق بقياس الأدنى على الأعلى: حجة عقلية ملزمة مفحمة: أنتم لا تملكون التصرف في أدنى مقومات الحياة وهي المعيشة المادية اليومية التي قسمها الله بينكم بلا استشارتكم، فكيف تطمعون في التحكم في أعلى المراتب الروحية وهي النبوة والوحي؟!
فلسفة العمران وتكامل المجتمع: قوله {لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} يرسم أساس علم الاجتماع البشري في إيجاز معجز؛ فالتفاوت في الأرزاق والمواهب ليس للظلم بل للتعاون والتسخير المتبادل.
ختام الآية بموازنة القيم: {وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}؛ موازنة بين الكنز الأخروي الإيماني الباقي وبين الركام المالي الفاني.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حكمة التفاوت الطبقي والتنوع في المواهب: الآية تؤصل أصلاً اجتماعياً واقتصادياً عظيماً: التساوي المطلق في الأرزاق والمواهب مفسد للحياة البشرية؛ فلو تساوى الناس جميعاً في الغنى المطلق لما وجد طبيب يداوي مريضاً، ولا مهندس يبني منزلاً، ولا عامل يرفع لبنة، ولا مزارع يحرث أرضاً، ولتعطلت مصالح العمران وهلكت البشرية؛ فكان التفاوت درجات حكمة إلهية بالغة لإلجاء الناس إلى تسخير بعضهم لبعض وتبادل المنافع في إطار من التكامل الإنساني، مع كفالة الشريعة لحقوق الضعفاء والفقراء بالزكاة والصدقات والعدل.
سقوط المقاييس المادية أمام الرحمة الربانية: القرآن يقرر أن رحمة الله بالإيمان والنبوة والتقوى خير من جميع كنوز الأرض مجتمعة؛ فمال قارون وثروة كسرى وقيصر هباء منثور أمام سجدة صادقة لله أو آية يتدبرها العبد.
الاستفهام الإنكاري بـ {أَهُمْ يَقْسِمُونَ}: للتقريع والاستبعاد والإفحام.
إضافة الرحمة إلى الرب مكررة: {رَحْمَتَ رَبِّكَ} و{وَرَحْمَتُ رَبِّكَ}؛ وفي إضافة الرب إلى كاف الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم تشريف عظيم وتطمين لقلبه بأنه موضع العناية والرعاية والرحمة الخاصة.
استخدام الفعل المضارع {يَجْمَعُونَ}: للدلالة على دأب أهل الدنيا المستمر وحرصهم الشديد على تكديس الأموال التي يتركونها لغيرهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الرضا بقسمة الله وتدبيره في المعاش والأرزاق والوظائف؛ فكل ميسر لما خُلق له.
التواضع والاحترام المتبادل بين فئات المجتمع؛ فالغني محتاج إلى جهد العامل، والعامل محتاج إلى مال الغني، ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى.
التطلع الدائم إلى رحمة الله وفضله والعمل للآخرة؛ فهي الغنيمة الحقيقية الباقية.