بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 699)جامع البيانالطبري٢١/٦٩٩ أن فرعون تمادى في غيه وغروره فوازن بين نفسه وبين نبي الله موسى عليه السلام بمقاييسه الجاهلية الساقطة؛ فقال لقومه: بل أنا خير وأفضل وأعز وأشرف ملكاً وسلطاناً وثروة من هذا الرجل الضعيف الفقير الحقير (موسى) الذي هو مهين؛ أي ضعيف حقير لا ملك له ولا ثروة ولا سلطان، {وَلَا يَكَادُ يُبِينُ}؛ أي ولا يكاد يفصح بكلامه ولا يبين عن حجته لفرط لثغة كانت في لسانه أو لضعف شأنه بزعم فرعون الباطل.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 243)مصدر غير محدد٧/٢٤٣ عن ابن عباس والسدي أن فرعون افترى على كليم الله موسى وعيّره بما كان في لسانه من الثقل القديم الناتج عن الجمرة التي وضعها في فيه وهو طفل في قصر فرعون، وتناسى فرعون أن موسى قد دعا ربه فقال: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي}، فاستجاب الله دعاءه وحل العقدة وبات فصيحاً مبيناً، لكن فرعون افترى عليه ليبهت الحق ويصغر شأنه في أعين قومه.
وأوضح القرطبي أن {أَمْ} هنا منقطعة بمعنى (بل) والهمزة؛ أي: بل أأنا خير أم هذا المهين؟
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مَهِينٌ}: المهين: الحقير الضعيف القليل القيمة في أعين الناس، مأخوذ من المهانة والضعف والقلة.
{أَمْ}: منقطعة تتضمن معنى الإضراب والاستفهام التقريري (بمعنى بل وأنا خير).
{أَنَا}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{خَيْرٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة.
{مِنْ هَذَا}: جار ومجرور متعلقان بخير، واسم الإشارة في محل جر بمن (استعمل الإشارة لتحقير موسى).
{الَّذِي}: اسم موصول مبني في محل جر نعت لاسم الإشارة أو بدل.
{هُوَ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{مَهِينٌ}: خبر هو مرفوع بالضمة، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{وَلَا}: الواو عاطفة، {لَا}: نافية.
{يَكَادُ}: فعل مضارع ناقص مرفوع بالضمة، واسمه مستتر تقديره هو.
{يُبِينُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر، والجملة خبر يكاد، وجملة لا يكاد يبين معطوفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقارنة الطبقية الساقطة: بعد أن عظم نفسه بالملك والأنهار في الآية السابقة، عمد في هذه الآية إلى تحقير خصمه النبي العظيم موسى بوصفه بالمهانة والعجز عن البيان؛ لتثبيت تفوقه المادي المزعوم.
استخدام اسم الإشارة للقريب {هَذَا}: بقصد الازدراء والتحقير وتصغير الشأن.
التمهيد للشرط التعجيزي المادي في الآية التالية: لما ادعى أنه مهين، طالب بأن تسبغ عليه أساور الذهب لتثبت نبوته!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفنيد التنمر والطعن في العوارض الجسدية: الآية تعري انحطاط تفكير الطغاة حين يعجزون عن مجابهة الحجة بالبرهان؛ فيلجؤون إلى السخرية من الفقر أو العاهات الجسدية والعوارض العارضة (كثقل اللسان)؛ فالنبوة والفضل شرف روحي وعقلي وأخلاقي لا علاقة له بفخامة الملبس أو كثرة الحلي.
كذب فرعون في وصف موسى بعدم الإبانة: موسى عليه السلام كان كليماً لله فصيح الحجة عظيم البيان، ومناظراته المسجلة في القرآن مع فرعون تفحم كبار الفصحاء، وإنما وصفه فرعون بذلك حسداً وبهتاناً وتذكيراً بماضٍ قد عافاه الله منه.
التهكم والازدراء بالإشارة: {مِنْ هَذَا الَّذِي}؛ أسلوب تحقيري استعلائي يكشف كبرياء النفس الفرعونية المريضة.
نفي مقارب الفعل: {وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} أبلغ في النفي والتحقير من (لا يبين)؛ أي أنه لا يقارب الإبانة والإفصاح بزعمه.
الإشارة التدبرية: لا تزن الرجال بمظاهرهم وثيابهم؛ فكم من ذي طمرين رث الثياب وهو عند الله من أولياء الرحمن المقربين، وكم من صاحب تيجان وقصور وهو عند الله من أحقر خلقه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر الشديد من خلق الكبر والازدراء واحتقار الفقراء والمستضعفين؛ فإن الكبر من صفات فرعون وإبليس.
الثقة بأن الفصاحة الحقيقية هي فصاحة الصدع بالتوحيد والانتصار للحق، لا تنميق الألفاظ في نصرة الباطل.
مواساة الدعاة عند تعرضهم للتنمر أو السخرية من هيئاتهم أو ظروفهم المعيشية؛ فلهم في كليم الله موسى أعظم الأسوة.