التوجيه بالمأثور وأسباب النزول: ذكر أئمة التفسير بالأثر - الطبري في جامع البيان (٢١/ ٦٣٥-٦٣٧)مصدر غير محدد٢١/٦٣٥، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم (٧/ ٢٣٣-٢٣٥)مصدر غير محدد٧/٢٣٣، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (١٦/ ١٠٥-١٠٧)مصدر غير محدد١٦/١٠٥ - أن سبب نزول هذه الآية الكريمة ومحاجة مشركي قريش هو ما رواه ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: لما نزل قوله تعالى في سورة الأنبياء: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ}، جاء عبد الله بن الزبعرى السهمي (قبل إسلامه) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال مجادلاً ومخاصماً: أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «بَلْ لَكُمْ وَلِآلِهَتِكُمْ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ»، فقال ابن الزبعرى: خصمتك ورب الكعبة! أليست النصارى يعبدون عيسى بن مريم، واليهود يعبدون عزيراً، وبنو مليح يعبدون الملائكة؟ فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم ومع هؤلاء! فضحكت قريش وضجوا وفرحوا وظنوا أن ابن الزبعرى قد فلج بالحجة، فأنزل الله تبارك وتعالى: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}.
القراءات المتواترة وأثرها:
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم (في رواية حفص) وأبو جعفر ويعقوب: {يَصِدُّونَ} بكسر الصاد، ومعناه: يضجون ويصيحون ويضحكون فرحاً ومجادلة ومغالبة بالباطل. قال الكسائي والأخفش: الصديد هو الضجيج والصياح والفرح بالمغالبة.
وقرأ حمزة والكسائي وخلف العاشر وعاصم (في رواية أبي بكر بن عياش): {يَصُدُّونَ} بضم الصاد، ومعناه: يعرضون عن الحق ويصدون غيرهم عن اتباعه، أو ينفرون استكباراً. والقراءتان متكاملتان في الدلالة؛ فإنهم لما فرحوا وضجوا بمغالطتهم الباطلة (يَصِدّون بالكسر)، صدوا وأعرضوا وصدوا غيرهم عن اتباع نور الوحي (يَصُدّون بالضم).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
{ضُرِبَ}: الضرب هنا بمعنى إيراد الحجة وسوق المثل وإلقائه في سياق المناظرة.
{مَثَلًا}: حال من ابن مريم، أو مفعول به ثانٍ لـ (ضرب) إذا ضُمّن معنى (جُعل).
{يَصِدُّونَ}: من صَدَدَ يَصِدُّ صديداً: إذا صاح وضج وضجر أو ضحك وجلب. ومن صَدَّ يَصُدُّ صدوداً: إذا أعرض واستكبر وامتنع.
الإعراب الدقيق:
{وَلَمَّا}: الواو عاطفة أو استئنافية، {لَمَّا}: ظرفية حينية متضمنة معنى الشرط خافضة لشرطها منصوبة بجوابها.
{ضُرِبَ}: فعل ماض مبني لما لم يُسمَّ فاعله، مبني على الفتح.
{ابْنُ}: نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف.
{مَرْيَمَ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث.
{مَثَلًا}: مفعول به ثانٍ أو حال منصوبة بالفتحة الظاهرة.
{إِذَا}: الفجائية رابطة لجواب لما لا محل لها من الإعراب.
{قَوْمُكَ}: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة، والكاف ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
{مِنْهُ}: جار ومجرور متعلقان بالفعل (يصدون)، والضمير يعود على المثل أو على ابن مريم باعتبار ما نُسب إليه.
{يَصِدُّونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ {قَوْمُكَ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الاتصال بسياق محاجة المشركين: بعد أن بين الله تبارك وتعالى في الآيات السابقة مصرع فرعون وقومه وما جرى لموسى عليه السلام، وجعلهم سلفاً ومثلاً للآخرين، انتقل السياق إلى مشهد واقعي من مشاهد مكة وبيان عناد كفار قريش ومغالطاتهم السوفسطائية في دفع براهين النبوة.
التناسب مع مقصد السورة في تحطيم الموازين المادية والجدل الباطل: سورة الزخرف تُعنى بتجريد الحقائق من الزخرف الشكلي؛ وجدل قريش في شأن عيسى عليه السلام هو نوع من الزخرف اللفظي والتمويه الباطل للهروب من استحقاق التوحيد وإلزام الحجة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض مغالطة ابن الزبعرى وقريش (قياس الفارق واستعمال المشترك):
شبهتهم: زعموا أن آية سورة الأنبياء: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} تعم عيسى والملائكة وعزيراً، فإذا كان هؤلاء الصالحون في النار رضينا أن نكون معهم.
المحاكمة العقلية والنصية:
١. دلالة اللفظ العربي: اللفظ جاء بـ {مَا} وهي في لغة العرب الصريحة موضوعة لما لا يعقل من الأصنام والأوثان والأحجار، ولم يقل: (ومن تعبدون)، فبطل تناولها واستيعابها للأنبياء والملائكة أصلاً؛ وأهل مكة أهل لسان فصيح يعلمون هذا الفرق قطعاً، ولكن حملهم اللدد على المغالطة.
٢. سياق الخطاب: الخطاب في سورة الأنبياء خاص بأهل مكة وأصنامهم التي نصبوها في الكعبة وما حولها كالات والعزى ومناة، ولا يتناول عباد الأمم الأخرى.
٣. الرضا بالعبادة: إنما يستحق العذاب من عبد وهو راضٍ بالعبادة أو دعا إليها كإبليس والفراعنة، أما الرسل الكرام والملائكة الأبرار فإنهم يتبرؤون من عابديهم، كما قال تعالى صريحاً في سورة الأنبياء عقب ذلك: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبَعَّدُونَ}.
المفاجأة بـ {إِذَا} الفجائية: إفادة سرعة تطاير الفرح الباطل في نفوسهم ومبادرتهم إلى الصياح والجلجلة بغير تفكر؛ فما إن ألقيت المغالطة حتى طاروا بها فرحاً طيران العاجز عن مقارعة البرهان بالحجة.
الإسناد إلى القوم مع الإضافة لضمير النبي صلى الله عليه وسلم {قَوْمُكَ}: تلطف وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وبيان أن هؤلاء المعاندين هم لحمته وعشيرته، فكان الأجدر بهم أن ينصروه ويؤمنوا به بدلاً من أن يضجوا بالمخاصمة واللدد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من الانتصار بالمغالطة والسفسطة: على الداعية وطالب العلم أن يدرك أن أهل الباطل يلجؤون عند العجز الفكري والبرهاني إلى تشويه الكلمات واللعب بالألفاظ والمغالطات المنطقية لإسكات صوت الحق.
ثبات الداعية وسكون قلبه عند صخب المعاندين وضجيجهم: صياح المبطلين وضجيجهم لا يغير من حقائق الأشياء شيئاً؛ فالباطل زاهق وإن ارتفعت له جلبة وأصوات.