التوجيه بالمأثور وأسباب النزول: ذكر الطبري (٢١/ ٦٧٢)مصدر غير محدد٢١/٦٧٢ وابن كثير (٧/ ٢٤٩)مصدر غير محدد٧/٢٤٩ والقرطبي (١٦/ ١١٨-١١٩)مصدر غير محدد١٦/١١٨ عن ابن عباس وقتادة والسدي: نزلت هذه الآية الكريمة في كفار قريش ومشركي مكة لما اجتمعوا في دار الندوة، وأحكموا مكرهم وتدبيرهم، وتواصوا على حبس النبي صلى الله عليه وسلم أو قتله أو طرده، فأبرموا أمرهم وأجمعوا عليه، فأنزل الله تعالى: {أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ}؛ أي: أم أحكموا كيداً ومكراً لرسولنا فإنا محكمون كيدنا وقضاءنا وتدبيرنا بإبطال مكرهم، وإهلاكهم ونصر ديننا ورسولنا عليهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{أَمْ}: حرف إضراب منقطع يتضمن معنى (بل) وهمزة الاستفهام الإنكاري؛ للانتقال من توبيخ إلى تقريع جديد.
{أَبْرَمُوا}: الإبرام: إحكام الفتل ووثاقته؛ يقال: أبرم الحبل إذا فتله طاقين فأحكمه، ثم استعير لإحكام العزم وتوثيق الكيد والتدبير.
{مُبْرِمُونَ}: محكمون تدبيرنا وقضاءنا النافذ الذي لا راد له.
الإعراب الدقيق:
{أَمْ}: حرف عطف وإضراب منقطع مبني على السكون.
{أَبْرَمُوا}: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعل.
{أَمْرًا}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة (أو مفعول مطلق مبين للنوع إذا ضُمّن معنى الفعل).
{فَإِنَّا}: الفاء عاطفة أو رابطة للجواب، إنّ: حرف توكيد ونصب، و(نا) المدغمة اسمها.
{مُبْرِمُونَ}: خبر إن مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم، ومفعول الإبرام محذوف تقديره: فإنا مبرمون كيدنا وقضاءنا بإهلاكهم ونصرك.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الرجوع إلى كيد مشركي مكة وتدبيرهم السري: بعد أن استعرض مآلهم ومكثهم في النار وكراهيتهم للحق في الآخرة، عاد إلى عالم الدنيا ليفضح ما يبيتون له في الخفاء من المؤامرات والمكر السري لإطفاء نور الإسلام؛ ليبين أن مصيرهم الأسود في الآخرة ما هو إلا ثمرة تدبيرهم الماكر في الدنيا.
المشاكلة البلاغية: التعبير بـ {مُبْرِمُونَ} في مقابلة {أَبْرَمُوا} لبيان أن كل تدبير بشري باطل يواجهه تدبير إلهي قاهر ينسفه من أصوله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
حتمية غلبة القضاء الإلهي لكل مكر بشري:
الطغاة والمجرمون يظنون أن باجتماعهم وتخطيطهم وإحكام قوتهم المادية قادرون على استئصال الحق ودعاته؛ والقرآن يسخر من هذا الغرور؛ فمهما أبرم البشر من خطط، فإن الله هو المبرم الحقيقي للأقدار، ومكره وتدبيره محيط بهم من حيث لا يحتسبون: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}.
التطبيق التاريخي الصادق: اجتمع كفار قريش وأبرموا قتل النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة، فأخرج الله نبيه من بين أيديهم سالماً، وهاجر وبنى دولته، وكانت الدائرة عليهم في بدر والأحزاب ثم كان فتح مكة المبين.
الإضراب الإنكاري بـ {أَمْ}: للانتقال المفاجئ لتقريعهم على استسرارهم بالمكر وظنهم أنهم بلغوا الغاية في الإحكام.
تنكير {أَمْرًا}: لتحقير كيدهم وتصغير شأنه مهما بدا لهم عظيماً محكماً؛ فهو أمام عظمة قدرة الله أمر حقير زائل.
المقابلة والمشاكلة اللفظية: {أَبْرَمُوا... فَإِنَّا مُبْرِمُونَ}؛ إبراز كمال الهيمنة الربانية؛ فكيدهم محكوم عليه بالفشل المبرم بقضاء الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
طمأنينة القلب عند تحالف أهل الباطل: إذا رأى المؤمن اجتماع قوى الباطل وتآمرهم وإحكامهم لخططهم ضد الإسلام والمسلمين، فليستحضر قوله تعالى: {فَإِنَّا مُبْرِمُونَ}؛ فيسكن قلبه وتثبت قدماه لعلمه بأن الله هو المتصرف في الكون.
التوكل الصادق مع الأخذ بالأسباب: النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بالأسباب الدقيقة في الهجرة، ولكن اعتماده ويقينه كان على تدبير الله ومكره بأعدائه.