بيّن الإمام الطبري في (جامع البيان، ج 21، ص 704)جامع البيانالطبري٢١/٧٠٤ أن معنى الآية: فجعلنا فرعون وقومه قدوة متقدمة وسلفاً يتقدم إلى النار لمن بعدهم من الكفار والمكذبين ككفار قريش ليتبعوهم إلى الهاوية، وجعلناهم مثلاً؛ أي عظة وعبرة وقصة عجيبة يُضرب بها المثل وتتعظ بها الأمم اللاحقة والقرون المتأخرة، فيحذرون من سلوك مسلكهم لئلا ينزل بهم مثل عقوبتهم.
ونقل ابن كثير في (تفسيره، ج 7، ص 245)مصدر غير محدد٧/٢٤٥ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن أن (السلف) هو المتقدم في الهلاك، و(المثل) هو العبرة والموعظة للآخرين، كما قال تعالى في سورة النازعات: {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى}.
وقرأ حمزة والكسائي: (سُلُفًا) بضم السين واللام جمع سَليف أو سَلوف كخَشَب وخُشُب، وقرأ الباقون: (سَلَفًا) بفتحتين؛ وهو اسم جمع لما يتقدم من الناس والأشياء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{سَلَفًا}: السلف: المتقدم والسابق في الزمان والهلاك، وسلف الإنسان آباؤه المتقدمون.
{مَثَلًا}: المثل: العبرة والقصة العجيبة المشهورة التي يضرب بها المثل للاعتبار والاتعاظ.
{لِلْآخِرِينَ}: الأمم اللاحقة والقرون المتأخرة إلى يوم القيامة.
الإعراب:
{فَجَعَلْنَاهُمْ}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب والسببية، فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل، والهاء مفعول به أول، والميم للجمع.
{سَلَفًا}: مفعول به ثانٍ لجعلنا منصوب بالفتحة.
{وَمَثَلًا}: معطوف منصوب بالفتحة.
{لِلْآخِرِينَ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لمثلاً (أو متعلقان بمثلاً)، وعلامة الجر الياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الختام المعجز لقصة فرعون وزخرفه: بعد تصوير استعلائه بملك مصر والأنهار وأساور الذهب، ختم القصة بتحوله وقومه إلى مجرد (سلف ومثل)؛ أي أثراً من الماضي وعبرة تتلى في الأسفار والمحاريب! فأين ذهب الملك والزخرف والأنهار؟
الربط بالواقع المكي الحاضر: جعلهم سلفاً ومثلاً لمن بعدهم تنبيه صريح لمشركي قريش وسائر الطغاة: أنتم سائرون خلف هذا السلف إن واصلتم كفركم، فاعتبروا بمآلهم قبل فوات الأوان.
ختام المقطع الثاني من السورة: تمثل هذه الآية ختام النموذج الفرعوني الاستكباري، ليمهد للشوط الثالث في السورة الذي يناقش شبهة عيسى عليه السلام ومصير الأخلاء يوم القيامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تحول الجبابرة إلى عبر وأمثال تاريخية: التاريخ يبرهن على هذا القانون القرآني العظيم: كل طاغية استكبر بملكه وسلاحه وثروته (كنمرود وفرعون وقارون وهامان) جعلهم الله في صفحات التاريخ عبرة ومثلاً تسخر منه الأجيال وتستعيذ بربها من سلوك طريقه؛ فالمصير الإنساني للطغيان هو الخزي واللعنة الخالدة.
خلود جسد فرعون شاهداً على الآية: مصداق قوله تعالى في سورة يونس: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً}؛ فبقاء آثار فرعون وعبرته مصداق إعجازي قاطع لكونهم سلفاً ومثلاً للآخرين.