التوجيه بالمأثور: ذكر الطبري في تفسيره (٢١/ ٦٥٧-٦٥٨)مصدر غير محدد٢١/٦٥٧ وابن كثير (٧/ ٢٤٣)مصدر غير محدد٧/٢٤٣ والقرطبي (١٦/ ١١٤)مصدر غير محدد١٦/١١٤: هذا إذن الدخول الملكي والتكريم الأبدي لأهل الإيمان؛ يُقال لهم إكراماً وإعزازاً: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ}.
معنى {أَزْوَاجُكُمْ}: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: أزواجهم المؤمنات من نساء الدنيا والحور العين اللاتي زُوّجوهن في الجنة. وقيل: نظراؤكم وأشباهكم في الإيمان والعمل الصالح.
معنى {تُحْبَرُونَ}: قال مجاهد: تُكرمون. وقال قتادة: تُنعّمون تنعيماً يظهر أثره وحسنه وسروره في وجوهكم وأبدانكم. وقال يحيى بن أبي كثير: الحبرة: السماع في الجنة واللذة التي تسري في الأسماع والقلوب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والدلالة:
{ادْخُلُوا}: أمر إكرام وإباحة وتشريف وإنعام.
{تُحْبَرُونَ}: من الحَبْرة، وهي النعمة والسرور والفرح والبهجة التي تبلغ الغاية حتى يُرى أثرها حسناً ونضارة في الوجه؛ ومنه سُمي الحِبر لحسن خطه وأثره، والسحاب الحَبِير لحسن مظهره.
الإعراب الدقيق:
{ادْخُلُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.
{الْجَنَّةَ}: مفعول به منصوب على السعة والتشبيه بالمفعول به، أو منصوب بنزع الخافض.
{أَنْتُمْ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع توكيد للضمير المتصل (الواو) في ادخلوا ليسوغ العطف عليه.
{وَأَزْوَاجُكُمْ}: الواو حرف عطف (أو واو المعية)، أزواجكم: معطوف على الضمير المرفوع بالضمة الظاهرة، والكاف مضاف إليه، والميم للجمع.
{تُحْبَرُونَ}: فعل مضارع مبني لما لم يسمّ فاعله (مبني للمجهول) مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب حال من الفاعل وماتصل به (أي محبورين منعمين مسرورين).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من نداء الأمان إلى التكريم بالنعيم المقيم: بعد أن طمأنهم بنفي الخوف والحزن وبشرهم بالإيمان والإسلام، فتحت لهم أبواب الجنة وقيل لهم ادخلوها مع أزواجكم مصحوبين بالحبور الدائم والسرور الخالد.
أنس المعية والمشاركة: تمام النعيم لا يكتمل إلا باجتماع الأحبة والأزواج الصالحين معاً ليتشاركوا الفرحة الكبرى دون أي شائبة من كدر الدنيا.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تكامل النعيم الحسي والروحي والاجتماعي:
الجنة ليست مجرد مكان خامل، بل هي دار حية عامرة باللذائذ والحبور والبهجة؛ ونعيم الاجتماع بالزوج الصالح والأشباه المؤمنين يضاعف اللذة والأنس؛ فالإنسان بطبعه يستأنس برفيقه ويسعد بسعادته.
زوال كل غل وكدر: أزواج الدنيا المؤمنات يدخلن الجنة مطهرات مبرآت من كل سوء وخلق ذميم وغيره وكدر، فيكون الأنس بهن في الجنة أعظم بآلاف المرات من متاع الدنيا الفاني.
حذف الفاعل وبناء الفعل للمجهول في {تُحْبَرُونَ}: لإفادة أن أسباب الحبور والسرور تتكاثر وتفيض عليهم من كل جهة: من الله برضوانه، ومن الملائكة بسلامهم وإكرامهم، ومن الحور العين، ومن جنان النعيم وما حوته من بهجة ولذة.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
العمل المشترك في الأسرة المسلمة: أعظم مشروع بين الزوجين المسلمين هو التعاون على طاعة الله ليكون مآلهما الخلود معاً في جنات النعيم محبورين مسرورين.
الصبر على لأواء الدنيا: ما يلقاه الزوجان أو الصالحان في الدنيا من المشاق والبلاء يتبدد تماماً بأول قدم توضع في الجنة حين يقال لهما: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ}.