التوجيه بالمأثور: روى الطبري (٢١/ ٦٥٦)مصدر غير محدد٢١/٦٥٦ وابن كثير (٧/ ٢٤٢)مصدر غير محدد٧/٢٤٢ والسعدي (ص ٧٦٨)مصدر غير محدد٧٦٨: بيان للوصف الذي استحق به أولئك العباد ذلك النداء والأمان الخالد؛ وهم الذين جمعوا بين أمرين عظيمين هما ركنا النجاة: التصديق القلبي الجازم بآيات الله الشرعية المنزلة على رسله ودلائله التوحيدية، والانقياد الظاهر والباطن لله رب العالمين بالطاعة والاستسلام والإخلاص والتسليم لأمره ونهيه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مُسْلِمِينَ}: الإسلام: الاستسلام والانقياد والخضوع التام لأمر الله ونهيه وشرعه.
الإعراب الدقيق:
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب نعت لـ (عباد) أو بدل منه، أو في محل رفع مبتدأ خبره {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ}، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هم الذين).
{آمَنُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{وَكَانُوا}: الواو عاطفة، كان: فعل ماض ناسخ مبني على الضم، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع اسمها.
{مُسْلِمِينَ}: خبر كان منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إيضاح الصفات عقب إطلاق الأمان: لما قال سبحانه: {يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ}، كان في ذلك تشويق هائل لمعرفة من هم أولئك الفائزون، فجاء التحديد الإلهي الصارم والواضح: {الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ}؛ لتقطع أطماع المشركين وأهل البدع الذين يرجون النجاة بلا إيمان صحيح ولا إسلام صادق.
التمهيد لأمر الدخول والتكريم: وصفهم بالإيمان والإسلام هو المؤهل الشرعي الذي أذن لهم به بدخول الجنة والحبور في الآية التالية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التلازم العقدي والعملي بين الإيمان والإسلام:
الآية تؤصل عقيدة أهل السنة والجماعة في الجمع بين الإيمان والإسلام؛ فالإيمان عمل القلب وتصديقه، والإسلام هو الاستسلام الظاهر والانقياد بالجوارح. ولا ينفع إيمان باطن مدعى بغير عمل وانقياد، كما لا ينفع استسلام ظاهري نفاقاً بغير يقين قلبي راسخ.
الرد على المرجئة وأهل الأماني: النجاة والأمان يوم القيامة ليسا بمجرد الدعاوى الفارغة ولا بالأماني الكاذبة، بل بالإيمان بالآيات ودوام الاستسلام والانقياد لأحكام الشريعة.
دلالة {وَكَانُوا مُسْلِمِينَ}: التعبير بـ (كان) يفيد الدوام والاستمرار والرسوخ؛ أي كان الإسلام ديدنهم وسجيتهم وسيرتهم المستمرة حتى توفاهم الله عليه.
عطف الإسلام على الإيمان: الجمع بين الأصل الباطن (الإيمان) والثمرة الظاهرة المتجددة (الإسلام) لاستيعاب حقيقة الدين كله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحقيق حقيقة الاستسلام لله: الإسلام ليس لقباً يتوارثه الإنسان، بل هو استسلام مطلق لأمر الله ونهيه في شؤون الحياة كلها؛ في العقائد والمعاملات والأخلاق والمحاكمات.
الثبات على الدين حتى الممات: العبرة بالخواتيم؛ والمؤمن يرجو ربه دائماً أن يميته على الإسلام كما عاش عليه: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}.